شربت بماء الدحرضين فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الديلم
إن الديلم الأعداء لأنهم أعاجم، والعرب كانوا يعدون جميع الأعاجم أعداءهم، فسلوا هذا الأعرابي ما معنى الديلم ، فسألناه فقال: الديلم حياض بالغور أوردتها إبلي غير مرة!
وقيل لأبي عبيدة إن الأصمعي يقول: بينا أبي يسابق سلم بن قتيبة على فرس له» فقال أبو عبيدة: «سبحان الله والحمد لله والله أكبر ... والله ما ملك أبو الأصمعي قط دابة ولا حمل إلا على ثوبه».
74
وقال ثعلب: «سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي، سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي».
75
وآخرون يوثقونه، فقد وثقه ابن معين وأحمد بن حنبل في الحديث، وقال أبو داود عنه إنه صدوق، ووثقه بعض اللغويين، فقال أبو الطيب: «لم ير الناس أحضر جوابا، وأتقن لما يحفظ من الأصمعي ولا أصدقه لهجة، وكان شديد التأله فكان لا يفسر القرآن ولا شيئا من اللغة له نظير واشتقاق في القرآن، وكذلك الحديث تحرجا، وكان لا يفسر شعرا فيه هجاء، ولم يرفع من الأحاديث إلا الأحاديث اليسيرة، وكان صدوقا في كل شيء من أهل السنة، فأما ما يحكي العوام وسقاط الناس من نوادر الأعراب، ويقولون هذا مما اختلقه الأصمعي، وما يحكونه عن ابن أخيه (قد تقدمت الحكاية) وكيف يقول ذلك عبد الرحمن، ولولا عمه لم يكن شيئا مذكورا ... وأنى يكون الأصمعي كذلك، وهو لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما ينفردون عنه، ولا يجيز إلا أفصح اللغات، ويلح في دفع ما سواه».
ويظهر لي جمعا بين الروايات المتناقضة أنه كان فيما يروي من الحديث متحريا شديد التحري، فوثقه المحدثون، وكان في اللغة صادقا غالبا، إلا أنه يجتهد أحيانا في تفسير الغريب فيخطئ، أما في النوادر والملح وما يحكي عن الأعراب فيرخي في ذلك لنفسه العنان، وإذا وجد الحال يستدعي قولا ظريفا أو ملحة تزيد فيها أو اخترعها، ولا يرى التساهل في ذلك ما يمس دينا أو يخرج به عن التقوى؛ لذلك نشك فيما يرويه من النوادر كحكاية الأعرابي الذي أضناه العشق وهو ابن ست وتسعين سنة، قالها للرشيد، فقال له: ويحك يا عبد الملك! «ابن ست وتسعين يعشق؟!» وغير ذلك كثير، فلما أنس الناس منه ذلك وعرف به، اخترعوا النوادر الظريفة من الأعراب أيضا ونسبوها إليه. وقد ألف كتبا كثيرة بقي لنا بعضها، منها في الأدب كتاب الأصمعيات، وقد سبق القول فيه، وبعض رسائل في اللغة نقلنا نموذجا منها قبل.
وأما أبو زيد الأنصاري، فهو سعيد بن أوس، عربي من الخزرج من الأنصار، ونشأ بالبصرة كذلك، وأخذ العلم عن علمائها أمثال أبي عمرو بن العلاء، ورحل إلى بغداد في أيام المهدي، ولكن اتصاله بالخلفاء لم يكن كاتصال الأصمعي وأبي عبيدة، ويظهر أن صفاته لم تكن تؤهله لذلك؛ فقد كان متقعرا يبحث عن الغريب، ويلتزم - حتى مع العامة - النحو والإعراب.
وكان يفضل الأصمعي وأبا عبيدة بالتزام الصدق، حتى لا يستطيعا أن يجرحاه مع أنه يجرحهما؛ روى الخطيب البغدادي أن أبا زيد «سئل عن أبي عبيدة والأصمعي فقال: كذابان، وسئلا عنه فقالا: ما شئت من عفاف وتقوى وإسلام».
76
وكان العلماء إذا قارنوا بين الثلاثة رأوا أن أهم مميزاته الصدق، فقد قال ابن مناذر: «أما الأصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، وأما أبو زيد فأوثقهم»؛
77
وكان سيبويه يقول: أخبرني الثقة، يريد أبا زيد؛ كذلك كان يمتاز عنهما بأنه أعلم منهما في النحو، وله فضل كبير فيه، وهو إمداده النحو بالشواهد الكثيرة التي حكاها عن العرب.
كما كان من مميزاته ضعف العصبية البلدية عنده، فلم يتحرج من الأخذ عن علماء الكوفة كما فعل غيره من علماء البصرة، بل أخذ عمن وثق به من الكوفيين كالمفضل الضبي، فأخذ عنه كثيرا من الشعر، وصرح باسمه وبما نقل عنه.