ومع هذا فقد كان التقاء الكوفيين والبصريين في بغداد سببا في عرض المذهبين ونقدهما والانتخاب منهما، ووجود مذهب منتخب كان من ممثليه ابن قتيبة، قال ابن النديم: «وكان ابن قتيبة يغلو في البصريين إلا أنه خلط المذهبين، وحكى في كتبه عن الكوفيين»،
71
ومثله في ذلك أبو حنيفة الدينوري فقد أخذ عن البصريين والكوفيين جميعا. •••
كذلك كان الشأن في اللغة والأدب، فاقت البصرة فيهما ما عداها من الأمصار، وحسبك دليلا أن أقوى الشخصيات التي روي ت عنها اللغة والأدب من البصريين نذكر منهم ثلاثة كانوا أشهر الناس في ذلك، وهم: الأصمعي، وأبو زيد، وأبو عبيدة، وكلهم بصري.
فالأصمعي عربي من باهلة، اسمه عبد الملك بن قريب، نسب إلى جده أصمع، وقد نشأ بالبصرة وأخذ عن علمائها، ورحل إلى البادية وكتب عن أهلها اللغة والأدب، وكان قبيح المنظر، وهبه أحد الأمراء جارية فخافت منه، ولكن خفيف الروح، ظريف، ميال إلى حكاية ملح الأعراب وأخبارهم، يعرف كيف يعجب من يحدثه، ويستخرج ضحكه واستحسانه؛ وقد رزق خصلتين كانتا سر شهرته، أولاهما: حافظة جيدة، حتى لتمر على سمعه القصيدة الطويلة فيحفظها، فيروى عنه أنه يحفظ ستة عشرة ألف أرجوزة، عدا دواوين العرب، وهذا إن بولغ فيه فأساسه صحيح؛ ولم يكن بهذا القدر من الذكاء العلمي، فالخليل يعجز عن أن يعلمه العروض، ولا يبلغ في النحو مبلغا كبيرا؛ لأن نحو عصره كان يحتاج إلى مهارة في القياس ونحوه، ولذلك يقول من رآه يتناظر مع سيبويه: «إن الحق كان مع سيبويه والأصمعي يغلبه بلسانه». والثانية: جودة الإلقاء، حتى قال أبو نواس: «إنه بلبل يطرب الناس بنغماته»، ويقول فيه الشافعي: «ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي»، وكان سماع العرب في كلامهم ولهجتهم مما يعجب الحضريين، فأعجبتهم منه هذه الخلة. مكنته هاتان الخصلتان من التقرب للقصر، فكان نديم الرشيد وسميره ومضحكه بما يروى من ملح الأعراب، وملأ كتب الأدب بما روى من قصص عن العرب والأعراب في حياتهم الاجتماعية، وبما روى من لغة وأدب، وبما دار بينه وبين العلماء في القصر وبين يدي الأمراء وفي حلقات العلماء، وكان اتصاله بالرشيد سببا في شهرته الواسعة، كما كان سببا في غناه.
وكان واسع العلم باللغة وألفاظها وتحديد معانيها واشتقاقها، لا يكتفي بمعرفة اللفظ حتى يشاهد مدلوله إن كان مما يشاهد، فأبو عبيدة يجمع من ألفاظ الخيل وأعضائها وما يتعلق بها أضعاف ما يجمع الأصمعي، ولكن يسأل أبو عبيدة عن مدلول الألفاظ إذا أحضر فرس فلا يعرف، ويعرف ذلك الأصمعي في دقة؛ وذلك نتيجة مخالطة العرب طويلا وسماعه منهم واتصاله بهم في معيشتهم، على حين أن أكثر علم أبي عبيدة نظري.
وكان واسع الحفظ لأشعار العرب ودواوينها، فيقول الأخفش: «ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف»، ويقول ابن الأعرابي: «شهدت الأصمعي وقد أنشد نحوا من مائتي بيت ما فيه بيت عرفناه»؛ وقد روي عنه الكثير من شعر قبائل العرب.
كما أن وجوده في القصور وبين يدي الأمراء وما يتطلبه هؤلاء من سمر وأحاديث طريفة، وحسن استعداد الأصمعي لذلك جعله يروي الشيء الكثير من ملح الأعراب في عشقهم وزواجهم ومشاكلهم وما إلى ذلك، حتى ملأ جو العراق بهذا النوع من القصص ثم تناقلته الأمصار.
ولكن هل كان ثقة صدوقا فيما يروي؟ يختلف الناس في الحكم عليه، فيقول بعضهم: «كان الأصمعي منسوبا إلى الخلاعة، ومشهورا بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها».
72
ويروون أن رجلا رأى عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، فقال له: ما فعل عمك؟ فقال: قاعد في الشمس يكذب على الأعراب.
73
ومر ما روى ابن الأعرابي أنه قال: لقيني أبو محلم ومعه أعرابي، فقال: جئتكم بهذا الأعرابي لتعرفوا منه كذب الأصمعي، أليس كان يقول في بيت عنترة: