34
وكتب المثالب هذه - على ما يظهر - عمدت إلى ما صدر عن كل قبيلة من بيت تعير به، أو عمل تؤاخذ عليه، أو جريمة ارتكبها أحد أفرادها فقيدتها وأذاعتها؛ للتشهير بالعرب جميعا. كما أن كتب مناقب العجم ومفاخرها عمدت إلى ما استحسن من عادات الفرس، وعظمة ملوكها، ونظام جيوشها، وسياسة ملكها فشادت به. ولم يصلنا شيء من هذه الكتب - على ما أعلم - كما لم يصلنا أي كتاب ألف في بيان دعوى الشعوبية، وإنما وصل إلينا نتف من أقوالهم وآرائهم، أهمها ما ورد في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وما ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه، وما نقله ابن قتيبة في كتابه «العرب».
والظاهر أن أكبر سبب في ضياع هذه الكتب أن المسلمين عدوا هذه النزعة الشعوبية نزعة ضد الإسلام، فتحرجوا من نقل الكتب المؤلفة فيها، وتقربوا إلى الله بإعدامها، وبرئ المخلصون من الميل إليها، كما فعل الزمخشري في أول كتابه المفصل؛ فقد حمد الله «إذ جبله على الغضب للعرب، والعصبية لهم، وبرأه من الانضواء إلى لفيف الشعوبية».
ولم يقتصر هؤلاء الذين ذكرنا من علماء الشعوبية على وضع كتب المثالب؛ بل يظهر أنهم وضعوا في الأدب قصصا كثيرة تؤيد جانبهم، وقد اختلقوها اختلاقا، وكانت هذه أخطر على العرب من الحرب الظاهرة؛ لأن نقضها أصعب، والوقوف على بطلانها أعسر، ويمكننا أن ندرك أنهم لجئوا في ذلك إلى نوعين: النوع الأول: الوضع؛ وهو أن يضعوا القصص الشنيعة في شرح الأبيات أو الأمثال، ويختلقوا القصة اختلاقا، كما فعل أبو عبيدة في شرح المثل: «جبان ما يلوى على الصفير»؛
35
فقد نقل البكري في كتابه «التنبيه على أوهام أبي علي القالي في أماليه»؛ حكاية في ذلك عن أبي عبيدة لا نستطيع ذكرها لشناعتها!
36
وروى الهيثم بن عدي قصة طويلة، تتلخص في أن رجلا من تنوخ نزل بحي من بني عامر، فخرجت إليه جارية، فقالت: ممن أنت؟ قال: من تميم، فذكرت له أبياتا في ذم تميم، فقال لها: لست من تميم بل أنا من قبيلة عجل، ففعلت ذلك، وما زال الرجل يذكر القبائل قبيلة قبيلة، وهي تروي الأبيات في ذمها حتى استنفد القبائل. ولما انتسب إلى بني هاشم قالت: أتعرف الذي يقول:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم
فقد صار هذا التمر صاعا بدرهم!
فإن قلتمو: رهط النبي محمد
فإن النصارى رهط عيسى ابن مريم!
37
والحكاية كلها على ما يظهر من وضع الشعوبية، أو من وضع الهيثم بن عدي نفسه، يرمي واضعها إلى ذكر مثالب القبائل العربية.
والنوع الثاني: نسبة الشيء إلى غير قائله، وهو طريق سلكوه لإفساد الأدب العربي، وإضاعة معالمه؛ حتى لا يكون للعرب أدب موثوق به، وتلك أكبر بغية لهم، ومن الأمثلة على ذلك: أن يقول أبو عبيدة البيتين الآتيين:
هينون لينون أيسار ذوو كرم
سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا
في الجهد أدرك منهم طيب أخبار
إنها للعرندس الكلابي يمدح بني عمرو الغنويين، فينكر الأصمعي عليه ذلك، ويقول: محال أن يمدح كلابي غنويا لما بينهما من العداوة!
38
ولو فحصنا الأدب في ضوء هذه النظرية؛ لو جدنا الشيء الكثير الموضوع للحط من العرب، وإفساد الأدب، مما لا نستطيع أن نستقصيه هنا. «كان في هذا العصر ثلاثة هم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب، لم ير قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم، بل كله؛ وهم: أبو زيد الأنصاري، وأبو عبيدة، والأصمعي.»
39
وقد اشتهر أبو زيد بحفظ الغريب من اللغة والنحو، وتنازع الرياسة الاثنان الآخران، ويظهر أن الأصمعي بحكم عربيته كان يتعصب للعرب، وكان يتشدد فيما يروي، فلا يجيز إلا أصح اللغات، وكان لا يجيب في القرآن، ولا في الحديث خشية الخطأ.
40
وكان لا يقول في شيء برأيه، وكان لا يفسر شعرا فيه هجاء.
41
كأنه كان يرى أن ذلك يمس دينه! وكأنه يرى أن في الهجاء حطا من المهجو أو قبيلته، وفي ذلك مساس بالعربية، وكان يمتاز عن أبي عبيدة بحسن إلقائه، ولطف نغمته. أما أبو عبيدة فيظهر أنه كان أوسع علما، وأكثر ثقافة، يعرف تاريخ الفرس لفارسيته، والثقافة اليهودية ليهودية آبائه، والثقافة الإسلامية لأنه نشأ فيها. ولكنه لم يكن يحسن التعبير كالأصمعي، وكان حر الرأي يفسر القرآن برأيه، فيؤاخذه الأصمعي على ذلك،