تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

68

وأجازوا أن تقول صمت شهرا كله، وتهجدت ليلة كلها، مع أن البصريين في ذلك يقولون: أولا، إن هذا البيت لم يعرف قائله، وثانيا: لو صح لكان شاذا لا يقاس عليه. فإذا أضفت إلى ذلك أن الكوفيين كانوا أكثر رواية للشعر، وأن الشعر المصنوع لديهم أكثر من الشعر المصنوع عند البصريين، أدركت مقدار الخلف بين البصريين والكوفيين في مسلكهم.

وكانت هاتان النزعتان في البصرة في أيامها الأولى، فهم يقولون: إن ابن أبي إسحق الخضرمي وتلميذه عيسى بن عمر كانا أشد ميلا للقياس، وكانا لا يأبهان بالشواذ، وكانا لا يتحرجان من تخطئة العرب، وكان أبو عمرو بن العلاء وتلميذه يونس بن حبيب البصريان أيضا على عكسهما: يعظمان قول العرب ويتحرجان من تخطئتهم، فغلبت النزعة الأولى على من أتى بعد من البصريين، وغلبت النزعة الثانية على من أتى بعد من الكوفيين، ولا سيما الكسائي الكوفي.

ونرى في هاتين النزعتين أن البصريين كانوا أكثر حرية وأقوى عقلا، وأن طريقتهم أكثر تنظيما وأقوى سلطانا على اللغة، وأن الكوفيين أقل حرية وأشد احتراما لما ورد عن العرب ولو موضوعا، فالبصريون يريدون أن ينشئوا لغة يسودها النظام والمنطق، ويميتوا كل أسباب الفوضى من رواية ضعيفة أو موضوعة، أو قول لا يتمشى مع المنطق؛ والكوفيون يريدون أن يضعوا قواعد للموجود حتى الشاذ، من غير أن يهملوا شيئا حتى الموضوع، فكل عملهم أن يضعوا الشيء إلى لفقه، فإذا كان للشيء الواحد جملة صور وضعوا له جملة قواعد.

ولعل المسألة الزنبورية نفسها التي أشرنا إليها قبل جارية هذا المجرى، فسيبويه لا يجيز إلا أن نقول: فإذا هو هي؛ لأنها المتمشية مع المنطق، هو مبتدأ، وهي خبر، وكلاهما ضمير رفع، والكسائي روي له أو سمع: فإذا هو إياها، فاستمسك بما سمع وأجازه وأجاز القياس عليه وإن كان شاذا؛ أما سيبويه فلم يجزه لأنه لا يؤمن بالشاذ وإن ثبت سماعه، فلا يجوز أن نجيزه في أقوالنا، ولا أن نقيس عليه فيما يجري في كلامنا.

ونشأ عن اختلافهم في الأصول اختلافهم في الفروع النحوية، وألف ابن الأنباري كتابا سماه: «الإنصاف في مسائل الخلاف، بين البصريين والكوفيين»،

69

عد فيه مائة مسألة واثنتين تخالف فيها البصريون والكوفيون، مثل: الاسم مشتق من السمو عند البصريين، وقال الكوفيون من الوسم؛ ومثل: الفعل مشتق من المصدر، أو المصدر مشتق من الفعل، ومثل: الاسم الذي فيه تاء للتأنيث كطلحة يجمع جمع مذكر سالما أولا، ومثل: حاشا في الاستثناء حرف جر أو فعل ماض إلخ. وذهب كل من المدرستين في كل مسألة إلى أدلة بعضها عقلي وبعضها نقلي، واحتدم الخلاف بينهما، وانتصر ابن الأنباري للبصريين ورد على الكوفيين حججهم.

وكان البصريون أكثر اعتدادا بأنفسهم، وأكثر شعورا بثقة ما يروون، وأشد ارتيابا فيما يرويه الكوفيون؛ لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرج أن يأخذ عن الكوفي، حتى قالوا: إن أبا زيد كان يروي عن علماء الكوفة، ولا يعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضل الضبي».

70

وظل الحال كذلك حتى تأسست مدينة بغداد، وهدأت الأمور السياسية، واستتب الأمن، وأخذ الحلفاء والأمراء يشجعون العلماء ويدعونهم لتربية أولادهم؛ فتسابق العلماء إلى بغداد، وكان للكوفيين الحظوة عند الخلفاء والأمراء أكثر مما كان للبصريين، لما سبق من أسباب، فالكسائي رئيس مدرسة الكوفة ذو الحظوة العظمى عند الرشيد، ومعلم الأمين والمأمون، والفراء تلميذ الكسائي كان معلم أولاد المأمون، وابن السكيت تلميذ الفراء كان معلم أولاد المتوكل، نعم كانت هناك مزاحمة للبصريين في القصور، فقد كان اليزيدي وهو بصري أحد معلمي المأمون، وكان ثعلب الكوفي والمبرد البصري معلمي عبد الله بن المعتز، ولكن كان الكوفيون أعظم سلطانا وأكثر عددا، فإذا قرب بصري فلأسباب خاصة، كاليزيدي السابق ذكره كان معلما ليزيد بن منصور الحميري خال المهدي، ونسب إليه فسمي اليزيدي، وكان ذلك قبل احتدام الخلاف بين البصريين والكوفيين؛ فحفظت له مكانته من ذلك الحين وإن كان بصريا، ومع هذا فقد كان مسالما للكسائي معترفا بسلطانه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٧٨