تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي ارتباط؛ وهذه الكلمات اسم وكلمة ورباط، ترجمت من اليونانية إلى السرياني ، ومن السرياني إلى العربي، فسميت هكذا في كتب الفلسفة لا في كتب النحو؛ أما كلمات اسم وفعل وحرف فإنها اصطلاحات عربية ما ترجمت ولا نقلت» اه.

66

والذي يظهر لي أن تأثير اليونان والسريان في العصر الأول لوضع النحو كان تأثيرا ضعيفا، وربما كان أكبر الأثر أثرا غير مباشر، كاستخدام آلة القياس والتوسع بواسطتها في وضع القواعد النحوية كما رأيت، فلما نقلت الفلسفة اليونانية واشتغل بها المتكلمون أولا والفلاسفة ثانيا، وعرفوا المنطق وما إليه تأثر النحو بذلك في قواعد وعلله، حتى قالوا - مثلا - إن أبا الحسن الرماني الذي عاش من سنة 296-384 «كان متفننا في علوم النحو واللغة والفقه والكلام على مذهب المعتزلة، وكان يمزج كلامه بالمنطق، حتى قال أبو علي الفارسي: إن كان النحو ما يقوله أبو الحسن الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله فليس معه منه شيء»،

67

وموضع تفصيل هذا بعد عصرنا الذي نؤرخه.

وعلى كل حال فقد توج نحو البصرة بسيبويه وكتابه، ونشأت بالكوفة مدرسة على رأسها أبو جعفر الرؤاسي وتلميذاه الكسائي والفراء.

أنشأ الرؤاسي مدرسة الكوفة في النحو ووضع فيه كتابا لم يصل إلينا؛ وقالوا إن الخليل اطلع عليه وانتفع به، وبدأت من ذلك الحين مدرسة الكوفة تناظر مدرسة البصرة. بدأ الخلاف هادئا بين الرؤاسي في الكوفة والخليل في البصرة، ثم اشتد بين الكسائي في الكوفة وسيبويه في البصرة، وصار لكل مدرسة علم تنحاز إليه كل فرقة، ويظهر أن هذه العصبية العلمية بين المدرستين كانت مؤسسة على العصبية السياسية التي ظهرت بين البلدين، والتي حكينا أمرها من قبل، وكانت كذلك أثرا من آثار ظهور العصبيات البلدية التي أخذت تحل محل العصبية الجنسية، وأيا ما كان فقد اختلفت مدرسة الكوفة عن مدرسة البصرة في مبادئ أساسية.

وربما كان أهم الفروق الأساسية بين المدرستين أن مدرسة البصرة رأت أن أهم غرض وضع قواعد عامة للغة في الرفع والنصب والجر والجزم ونحوها تلتزمها وتريد أن تسير عليها في دقة وحزم، وإذا كان كانت اللغات دائما لا تلتزم القواعد العامة دائما، بل فيها مسائل لا يمكن أن تجري على القاعدة، وخصوصا اللغة العربية التي هي لغات قبائل متعددة تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا كما رأيت، أراد البصريون تمشيا مع غرضهم أن يهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحتها قالوا إنها -

تحفظ ولا يقاس عليها - بل جرءوا على أكثر من ذلك فخطأوا بعض العرب في أقوالهم إذا لم تجر على القواعد، كما رأيت من تخطئه ابن أبي إسحق الحضرمي للفرزدق في بعض شعره، مع أن الفرزدق عربي صميم يحتج العلماء بشعره ولا يشكون في ذلك.

فالبصريون إذا رأوا استجاد واستزاد واستخار واستعار، ورأوا الأكثر يجري على هذا النسق، ثم رأوا استصوب واستحوذ، عدوا ذلك شذوذا يسمع ولا يقاس عليه، وإذا رأوا «إن» تنصب الاسم وترفع الخبر غالبا، ثم رأوها في بعض المواضع لا تسير هذا السير مع الوثوق بصحة ما ورد نحو

إن هذان لساحران

ألزموا الناس باتباع الأكثر الأغلب، فهم قد فضلوا القياس وآمنوا بسلطانه وجروا عليه وأهدروا ما عداه، وإذا رأوا لغتين: لغة تسير مع القياس، ولغة تسير عليه، فضلوا التي تسير عليه، وضعفوا من قيمة غيرها، فهم - في الواقع - أرادوا أن ينظموا اللغة ولو بإهدار بعضها، وأرادوا أن يكون ما سمع من العرب مخالفا لهذا التنظيم مسائل شخصية جزئية يتسامحون فيها نفسها ولا يتسامحون في مثلها والقياس عليها حتى لا تكثر فتفسد القواعد والتنظيم، هذا إذا لم يتمكنوا من أن يؤولوا الشاذ تأويلا يتفق وقواعدهم ولو بنوع تكلف.

أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب ويجيزوا للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة، بل يجعلون هذا الشذوذ أساسا لوضع قاعدة عامة، قال السيوطي في بغية الوعاة: «إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلا ويقيس عليه؛ فأفسد النحو بذلك»، وقال الأندلسي: «الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه»، فهم أكثر تجويزا للوجوه المختلفة في المسائل، فإذا سمعوا - مثلا - «يا ليت عدة حول كله رجب» وضعوا لذلك قاعدة مع أنه شاذ؛ لأنه وصف الحول وهو نكرة بكله وهي معرفة، وقالوا: «إن تأكيد النكرة بغير لفظها جائز إذا كانت مؤقتة»،

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٧٧