60
ولكن سيبويه لم يقتصر في كتابه على أقوال الخليل بل ذكر كثيرا من أقوال العلماء غيره، فهو ينقل كثيرا عن يونس حتى قد ينقل عنه أبوابا برمتها، وقد نقل فصلين من التصغير عنه، وقال: «وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس»،
61
ويحكي أقوال أبي عمرو ابن العلاء، يوازن بينها وبين قول الخليل ويونس، ويقول: «سألت الخليل عن القاضي في النداء فقال: أختار «يا قاضي»؛ لأنه ليس بمنون كما اختار في هذا القاضي، وأما يونس فقال: «يا قاض» وقول يونس أقوى
62
ويروي عن أبي الخطاب الأخفش، ويقول: حدثني من أثق بعربيته ويريد «أبا زيد». وأحيانا يروي عن العرب مباشرة، ويقول إنه سمع منهم؛ فيقول: «إن هذا البيت أنشدناه أعرابي من أفصح الناس، وزعم أنه شعر أبيه»،
63
ويقول: سمعنا ذلك من العرب، وسمعنا من يوثق به من العرب.
وعلى الجملة فيظهر أن سيبويه جمع في كتابه ما تفرق من أقوال العلماء قبله، ورتبها وبوبها، وجمع ما استشهد به العلماء من شعره، وما سمعه هو بنفسه؛ مما يدل على سعة اطلاع، وطول باع؛ ففي الكتاب ألف بيت وخمسون من شعر العرب، نسب منها نحو ألف بيت إلى قائليها، وفيه كثير من كلام العرب وأمثالهم، ولم يكن جامعا، بل كانت له شخصية قوية في التعليل والترجيح مع جودة في العبارة. فإذا علمنا أنه فارسي الأصل وأنه عربي بصري بالمربى، وأنه مات وله بضع وثلاثون سنة أدركنا مقدار نبوغه، وكان ثقة فيما يرويه، عرض كتابه على يونس، فاستعرض ما نقله عنه فوجده صادقا، وحاز الكتاب ثقة العلماء وتداولوه بالشرح، وإذا قالوا «الكتاب» فإنما يعنونه، وكل ما ألف في النحو بعده فمبني عليه ومستمد منه.
والكتاب مملوء بالقياس والعلل، وقد استعمله في مهارة وكثرة، فهو يولد من الشيء أشياء ويعلل ويقيس، ويذكرنا عمله بتفريع الحنفية وتعليلها وقياسها، ففي التصغير مثلا يستقصي ما يصغر وكيف يصغر، ويفرض الفروض فيتساءل: إذا سميت رجلا بعين أو أذن فكيف تصغرهما؟ وإذا سميت امرأة بفرس فكيف تصغرها؟ إلى كثير جدا من أمثال هذا في كل باب تقريبا، فكثيرا ما يقول: والقياس كذا، أو والقياس يأباه، ويقول: «سألت الخليل عن العرب ما أميلحه، فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يحقر، وإنما تحقر الأسماء إلخ».
64
وفي الكتاب مصداق ما ذكرنا من أن للنحويين دخلا كبيرا في اللغة التي بين أيدينا، وأنهم خلقوا أشياء لا تعرفها العرب، وعمموا ما لم تعممه العرب، فهو يعقد بابا عنوانه: «هذا باب استكرهه النحويون وهو قبيح، فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعت العرب»،
65
والكتاب يحتاج إلى درس طويل يخرج بنا عما رسمنا، وقد أخذ المبرد على سيبويه غلطات ولكن لم يسلم العلماء منها إلا ببعضها.
وبعد، فهل النحو علم عربي محض؟ أو هو علم أقتبس من علم النحو الأمم الأخرى؟
قال الأستاذ ليتمان في محاضراته: «اختلف العلماء الأوروباويون في أصل هذا العلم، فمنهم من قال إنه نقل من اليونان إلى بلاد العرب؛ وقال آخرون ليس كذلك، وإنما كانت تنبت الشجرة في أرضها، كذلك نبت علم النحو عند العرب، وهذا هو الذي روي في كتب العرب من زمن، ونحن نذهب في هذه المسألة مذهبا وسطا، ونقول كما أثبته في هذه السنة عالم اسمه (Josph la Blance) ، وترجمته يوسف الأبيض، وهو أنه أبدع العرب علم النحو في الابتداء، وأنه لا يوجد في كتاب سيبويه إلا ما اخترعه هو والذين تقدموه، ولكن لما تعلم العرب الفلسفة اليونانية من السريان في بلاد العراق تعلموا أيضا شيئا من النحو، وهو النحو الذي كتبه أرسططاليس الفيلسوف، وبرهان هذا أن تقسيم الكلمة مختلف؛ قال سيبويه: «فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل»، وهذا تقسيم أصلي، أما الفلسفة فيقسم فيها الكلام إلى اسم وكلمة ورباط، أي الاسم هو الاسم والكلمة هي الفعل، كما يقال له في اللغات الأوربية (Verd) ، والرباط هو الحرف كما يقال له في اللغات الأوربية (Conjuction)