ويظهر لي أن الخطوة التي تلت هذه كانت ناشئة عن عمل أبي الأسود، فإن عمله أثار الكلام حول الرفع والنصب والجر والتنوين، فكان العلماء الذين ذكروا أمثال نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، يثيرون مسائل متفرقة من هذا الباب، أما حول آية من القرآن الكريم استلفتت نظرهم، أو حول بيت من الشعر لم يجر على المألوف، فيقفون عند رفع الكلمة لم رفعت؟ ونصبها لم نصبت؟ فعبد الله ابن أبي إسحق الحضرمي يسمع الفرزدق يقول:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا مسحتا أو مجلف
54
فيرى أن «مجلف» في رفعها لا تناسب «مسحتا» في نصبها، فيعترض على الفرزدق، فيهجوه الفرزدق بقول:
فلو كان عبد الله مولى هجوته
ولكن عبد الله مولى مواليا
فيعترض ابن أبي إسحق على قوله مولى مواليا أيضا، ويقول بل هو مولى موال؛ فهذا وأمثاله يلفت النظر ويجعلهم يفكرون في أن مثل موضع «مجلف» هذه ينبغي أن تكون منصوبة، فيتبعون الأدوات التي مثل أو، فيرون الواو والفاء ويخترعون اسما لهذا كحروف العطف، وقد يكون استقصاؤهم في أول الأمر ناقصا فيأتي من بعدهم فيستدرك ذلك وهكذا. ويسمعون قول النابغة: «في أنيابها السم ناقع» فيقول عيسى بن عمر: قد أساء النابغة إنما هو «ناقعا» ويسمعون قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشام تضربنا
بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى وأرحلنا
على زواحف تزجى مخها رير
55
فيقول ابن إسحق: إنما هو «رير» ويقول يونس إن ما قاله الفرزدق جائز حسن، فلما ألحوا على الفرزدق قال: «زواحف تزجيها محاسير».
56
وكذلك كانوا يختلفون في آيات القرآن مثل:
يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، فكان عيسى بن عمر وابن أبي إسحق ينصبان «نكذب» و«نكون» وكان الحسن وأبو عمرو بن العلاء ويونس يرفعون «نكذب» و«نكون»
57
ويتجادلون في ذلك. وهكذا مسائل متفرقة في مواضع متفرقة في مناسبات مختلفة تجعل العالم يضع بعض القواعد المبعثرة، وتأتي طبقة أخرى تكملها.
أضف إلى ذلك أنه بعد علي وأبي الأسود كان هناك موال شغلوا بهذا الموضوع، وكان منهم من أصله فارسي، ومنهم من أصله سندي، ومنهم من اتصل بالسريانيين، وكان لهؤلاء نحو احتذوا حذوه أحيانا كما سيأتي.
وبدأ البصريون يستعملون القياس، ويوسعون به مسائل النحو، ويؤلفون الكتب في بعض المسائل على النحو الذي ألف فيه الأصمعي في اللغة كتاب الإبل، وكتاب الشاء، فيفردون الكتاب في مسألة كالهمزة أو اللام، وكان من أسبق الناس في ذلك ابن أبي إسحق الحضرمي المتوفى سنة 117ه، فهم يقولون: «إنه كان أعلم أهل البصرة وأنقلهم، ففرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عمل فيه كتاب مما أملاه»،
58
ومع هذا فلا نظن أنه كان يعلم كثيرا من النحو الذي عرف في عهد سيبويه، فقد روي عن يونس أنه سئل عن علم أبي إسحق من علم الناس اليوم (أيام يونس)، فقال يونس: «لو كان في الناس اليوم (من) لا يعلم إلا علمه لضحك منه».
59
ثم جاءت الخطوة التالية، وهي جمع مسائل النحو المعروفة في كتاب، وقد ذكروا أن عيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة 149 فعل ذلك، فألف كتابين سمى أحدهما الجامع والآخر الإكمال، ورووا أن الخليل بن أحمد قال:
ذهب النحو جميعا كله
غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع
فهما للناس شمس وقمر
قال ابن الأنباري: «وهذان الكتابان لم نرهما، ولم نر أحدا رآهما»، وقال محمد ابن يزيد: «قرأت أوراقا من أحد كتابي عيسى بن عمر، وكان كالإشارة إلى الأصول» وعبارة محمد بن يزيد تدل على أن الكتابين محاولة أولية لجمع النحو.
إنما الذي كان له الفضل الأكبر في ذلك «الخليل بن أحمد» ذو العقل الجبار المبتكر الذي قل أن يوجد له نظير في علماء ذلك العصر، والذي عكف على العلم يخترع فيه ويستنبط أصوله من فروعه على طريقة لم يسبق إليها، واكتفى في دنياه بالقليل من العيش، ووجد في لذته الفكرية عوضا عن كل لذة، فهو أول مبتكر للمعاجم كما رأيت، وهو أول مبتكر لوضع العروض وحصر كل أشعار العرب في بحوره، وهو الذي اخترع علم الموسيقى العربية وجمع فيه أصناف النغم، وهو الذي عمل النحو الذي نعرفه إلى اليوم؛ ويظهر أنه كان أرقى من أن يعكف على الكتب يدونها، فهو يخترع العلم ويتركه لتلاميذه يدونونه، فعل ذلك في اللغة فوضع فكرة المعجم وتركه لتلميذه الليث بن نصر يكمله كما رأيت قبل، وفعل ذلك في النحو «فهو الذي بسط النحو ومد أطنانه وسبب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحجاج فيه حتى بلغ أقصى حدوده. ثم لم يرض أن يؤلف فيه حرفا أو يرسم منه رسما ... واكتفى في ذلك بما أوحى إليه سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده، وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده».