51
وكل هذا حديث خرافة، فطبيعة زمن علي وأبي الأسود تأبى هذه التعاريف وهذه التقاسيم الفلسفية، والعلم الذي ورد إلينا من هذا العصر في كل فرع علم يتناسب مع الفطرة ليس فيه تعريف ولا تقسيم، إنما هو تفسير آية أو جمع لأحاديث ليس فيها تبويب ولا ترتيب، فأما تعريف وأما تقسيم منطقي فليس في شيء مما صح نقله إلينا عن عصر علي وأبي الأسود، وأخشى أن يكون ذلك من وضع بعض الشيعة الذين أرادوا أن ينسبوا كل شيء إلى علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) وأتباعه، ويشهد لهذا الروايات الكثيرة المتناقضة في سبب الوضع،
52
ومن حسن الحظ أن هذا ليس محل اتفاق بين العلماء، فمنهم من قال إن واضع النحو عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة 117 في خلافة هشام، ومنهم من قال إنه نصر ابن عاصم المتوفى سنة 89 والقائلون بهذا - من غير شك - ينكرون نسبته إلى علي، وأبي الأسود.
ويظهر لي أن نسبة النحو إلى أبي الأسود لها أساس صحيح، وذلك أن الرواة يكادون يتفقون على أن أبا الأسود قام بعمل من هذا النمط، وهو أنه ابتكر شكل المصحف ، فأخذ صبغا يخالف لون المداد الذي كتب به المصحف ووضع على الحرف المفتوح نقطة فوقه، والمكسور نقطة أسفله، والمضموم نقطة بين يدي الحرف، والنون نقطتين، وترك الساكن؛ فكتب «والقلم وما يسطرون» - مثلا - هكذا «والقلم وما يسطرون»، ووضع الخطة في ذلك وأمر الكتاب أن يسيروا على هذا النمط حتى أتم المصحف، وواضح أن هذه خطوة أولية في سبيل النحو تتمشى مع قانون النشوء، وممكن أن تأتي من أبي الأسود،
53
وواضح كذلك أن هذا يلفت النظر إلى النحو، فعمل أبي الأسود يسلم إلى التفكير في الإعراب، ووضع القواعد له، أضف إلى هذا أن «النحو» لم يكن في العصور الأولى مفهوما منه هذا المعنى الدقيق الذي نعرفه به اليوم، بل ابن جني نفسه - وهو من المتأخرين - يعرف النحو بأنه «انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره» وعلى هذا فمن قال إن أبا الأسود وضع النحو فقد كان يقصد شيئا من هذا، وهو أنه وضع الأساس بضبط المصحف حتى لا تكون فتحة موضع كسرة، ولا ضمة موضع فتحة، فجاء بعد من أراد أن يفهم النحو على المعنى الدقيق، فاخترع تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، والاسم إلى ظاهر، ومضمر وغير ظاهر ولا مضمر، وباب التعجب وباب إن.
وقد اختلف المؤلفون الأقدمون أنفسهم في التعبير عما فعله أبو الأسود، فقال بعضهم: إنه أول من وضع النحو كما رأيت، وعبر بعضهم تعبيرا أدق، فقال ابن قتيبة في كتابه «المعارف»: «أول من وضع العربية أبو الأسود»، وقال ابن حجر في الإصابة: «أول من نقط المصحف ووضع العربية أبو الأسود».
فالذي يظهر أنهم يعنون بالعربية هذه العلامات التي تدل على الرفع والنصب والجر والجزم والضم والفتح والكسر والسكون والتي استعملها أبو الأسود في المصحف، وأن هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعد وسموا كلامهم «نحوا» سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبي الأسود وقالوا: إنه واضع النحو للشبه في الأساس بين ما صنع وما صنعوا، وربما لم يكن هو يعرف اسم «النحو» بتاتا. ومثل ذلك يقال أيضا في النص الذي ذكره ابن سلام في «طبقات الشعراء» فقد قال: «وكان لأهل البصرة في العربية قدمة بالنحو، وبلغات العرب والغريب عناية، وكان أول من أسس العربية وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها، أبو الأسود الدؤلي ... وكان رجل البصرة وكان علوي الرأي ... وإنما قال ذلك حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقة، فكان سراة الناس يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف وحروف الجر والرفع والنصب والجزم». فالظاهر أيضا أن عمله في أول الأمر كان ساذجا بسيطا، وهو وضع علامات الرفع والنصب وما إليها، ولم يزد على ذلك، فلما سمى العلماء بعد بعض ضروب الرفع فاعلا، وبعض ضروب النصب مفعولا، قالوا: إن أبا الأسود وضع باب الفاعل والمفعول، وإن كان أبو الأسود نفسه لم يعرف «فاعلا» ولا «مفعولا» بل ربما لم يعرف أيضا رفعا ولا نصبا، فإنهم يروون أنه قال لكاتبه: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقط من تحت» وهو تعبير ساذج يتفق وزمن أبي الأسود؛ فالذين جاءوا بعد أطلقوا الأسماء الاصطلاحية التي وضعوها على ما فعل أبو الأسود في وضعه الأول الساذج، وهذا هو الذي يمكن أن يتمشى مع طبيعة النشوء.