تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إثما من الله ولا واغل

إلى كثير من أمثال ذلك.

فالنحويون بقياسهم قد أهدروا كثيرا من الاستعمالات التي كان ينطق بها العرب في نظير وضع قواعدهم الكلية، وشددوا في احترامها، وخضع الناس لها لأنهم كانوا المسيطرين على التعليم، وسموا ما خرج عن قواعدهم شذوذا، أو أولوه تأويلا بعيدا ليتفق ومذهبهم - والواقع أن هناك فروقا كبيرة بين اللغة كما حكيت عن العرب وكما قعدها النحويون - أما اللغة نفسها فلا تخضع دائما للقياس ولا تسير دائما على قواعد؛ ويعجبني في ذلك ما قاله أبو علي الفارسي في تعليل أغلاط الأعراب: «إنما دخل هذا النحو كلامهم (أي كلام العرب) لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يستعصمون بها، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد»؛

49

وقد سمى أبو علي ونحوه ما جاء عن العرب من هذا القبيل شاذا أو غلطا لأنه لم يجر على أصولهم، وفي الواقع أنه ليس شاذا ولا غلطا إلا لأنهم أرادوا وضع قواعد، واللغات جميعا لا تلتزم القواعد، والعرب لا يعرفون ما وضع النحويون، وإن فهموا من النحويين بعض النحو، فلا يفهموا فنونهم في الصرف، «حضر مجلس الكسائي أعرابي وهم يتحاورون في النحو فأعجبه ذلك، ثم تناظروا في التصريف فلم يهتد إلى ما يقولون، ففارقهم وأنشأ يقول:

ما زال أخذهم في النحو يعجبني

حتى تعاطوا كلام الزنج والروم

بمفعل فعل، لا طاب من كلم

كأنه زجل الغربان والبوم

50

وقال عمار الكلبي وقد عيب عليه بيت من شعره:

ماذا لقينا من المستعربين ومن

قياس نحوهموا هذا الذي ابتدعوا

إن قلت قافية بكرا يكون بها

بيت خلاف الذي قاسوه أوذرعوا

قالوا: لحنت، وهذا ليس منتصبا

وذاك خفض وهذا ليس يرتفع

وحرضوا بين عبد الله من حمق

وبين زيد فطال الضرب والوجع

كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم

وبين قوم على إعرابهم طبعوا

ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا

ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا

لأن أرضي أرض لا تشب بها

نار المجوس ولا تبنى بها البيع

ومن أجل هذا أخذ النحويون يتأولون ما لم يجر على قواعدهم، ويتكلفون في تخريجه، بل ويضعون أبيات الشعر أحيانا وضعا للاستشهاد عليه.

مدرستا البصرة والكوفة في اللغة والنحو:

ذكرنا قبل أن اللغة والنحو كانا ممتزجين، وأن العالم بالنحو كان عالما باللغة، وإن كان بعض العلماء أبرز في اللغة، وبعضهم أبرز في النحو، وذكرنا أن العراق كان أسبق الأمصار إلى تدوين اللغة والنحو، وكان من له الفضل في ذلك البصريون، ثم الكوفيون، ثم البغداديون.

فالبصرة أول مدينة عنيت بالنحو واللغة وتدوينها، واختراع القواعد لها، وقد سبقت البصرة بنحو مائة عام حتى أتت الكوفة بعد تؤسس مذهبا خاصا يضاهي مذهب البصرة وينازعه، ويتعصب لكل علماؤه، قال ابن النديم: «قدمنا البصريين أولا لأن علم العربية عنهم أخذ». وهذا جدول يبين أشهر علماء البصرة والكوفة ويبين أسبقية البصرة:

أخذت هذا الجدول عن كتاب

Arabic Grammar by Howell

بعد أن زدت فيه بعض زيادات وأصلحت بعض التواريخ، وإذا تكرر الاسم في الجدول فمعنى ذلك تعدد مشايخه.

ومن هذا يتضح أن مدرسة البصرة ظلت قائمة وحدها في النحو وما إليه إلى أن جاء أبو جعفر الرؤاسي، فكان أول من ألف في النحو من الكوفيين، وأول من أسس مدرسة الكوفة، ودعمها تلميذاه الكسائي والفراء، وكانا نظيري سيبويه رئيس البصريين.

وتاريخ النحو في منشئه غامض كل الغموض، فإنا نرى فجأة كتابا ضخما ناضجا هو كتاب سيبويه، ولا نرى قبله ما يصح أن يكون نواة تبين ما هو سنة طبيعية من نشوء وارتقاء، وكل ما ذكروه من هذا القبيل لا يشفي غليلا.

ذكروا أن واضع النحو أبو الأسود الدؤلي، بل منهم من نسبه إلى علي ابن أبي طالب، وأنه دفع إلى أبي الأسود رقعة مكتوبا فيها «الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبيء به، والحرف ما أفاد معنى. واعلم أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس فيما ليس بظاهر ولا مضمر.. ثم وضع أبو الأسود بابي العطف والنعت ثم بابي التعجب الاستفهام إلى أن وصل إلى باب إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضها على علي أمره بضم لكن إليها، وكلما وضع بابا من أبواب النحو عرضه عليه».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٧٣