45
وهذا باب عظيم الخطر؛ لأنه مكن النحويين من وضع القواعد العامة، وجعلهم يهدرون ما عدا ذلك مما ورد غير سائر على مقتضاها، وعدوه شاذا، كما أنه وسع اللغة سعة كبيرة، فإنا لم نسمع من العرب كل مشتقات الكلمة، فجرينا على القواعد الموضوعة من هذا الاستقراء الناقص، فتضخمت اللغة واطردت وتمت مواضع النقص منها. بل انظر في عبارة ابن جني نفسه، فقد جرى في التعبير فيها على ذلك، فقد جمع الماضي على مواض، وقال المضارعات والتكابير والتصاغير، وليس يدعي أحد أن العرب نطقت بهذه الكلمات في هذه المعاني، وإنما هو القياس. (2)
ومن ذلك أن يقيسوا على كلمة وردت كلمات أخرى من قبيلها، من ذلك ما قالوا (مويت) إذا كتبت «ما» و(لويت) إذا كتبت «لا»، وكوفت كافا حسنة، ودولت دالا جيدة، وزويت زايا قوية.
46
وواضح أن العرب لم تنطق بهذا كله، ولكن النحويين قاسوه على كلام العرب واستعملوه. (3)
ومن ذلك أيضا أن الطريقة التعليمية التي جرى عليها النحويون والصرفيون جعلتهم يجرون في ذلك إلى حد بعيد، فيقولون: كيف تصيغ من الضرب على وزن صمحمح، فتقول ضربرب، ومن القتل: قتلتل، ومن زبرج: زبرجج، ومن الخروج: خرجرج وهكذا. ويقول ابن جني: ولو قال لك قائل: بأي لغة كان هؤلاء يتكلمون؟ لم تجد بدا من أن تقول بالعربية.
47
ويقولون لو سميت رجلا بعلي أو إلي أو لدي، فكيف تثنيها وكيف تجمعها وكيف تصغرها؟ إلى كثير من أمثال ذلك؛ فتجاوزوا بذلك الواقع إلى الفروض، وهذا بعينه هو ما وقع للحنفية في فرض الفروض، وطلب الأحكام لها. (4)
ومن ذلك أنهم يخترعون علة لما ورد ثم يقيسون عليها، فيعللون قلب الواو والياء ألفا بأنهما متى تحركتا حركة لازمة وانفتح ما قبلها إلخ، فإنهما يقلبان ألفا، ويقيسون على ذلك، ويرد عليهم قود وغيب،
48
مع أنهما قلبتها في دار وعاب فيجيبون عن ذلك ويتأولون. وعلى كل حال يطردون القاعدة فيما يعرض ولم يسمع، إلى غير ذلك من ضروب القياس التي ملئت بها كتب النحو، وتوسع في ذلك من أتى بعد، وخاصة أبا علي الفارسي وابن جني؛ وقد عقد الأخير في كتابه الخصائص فصولا تشبه أصول الفقه، ففصل في جواز القياس، وفصل في تعارض السماع والقياس، وفصل في الاستحسان، وفصل في العلل، وفصل في إجماع أهل العربية متى يكون حجة إلخ، مما يدل على تأثر النحويين بالفقهاء، وإن كان ابن جني نفسه يعقد فصلا يذكر فيه أن علل النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين.
نعم إن الأصوليين اختلفوا هل تثبت اللغة بالقياس أو لا تثبت؟ وانقسموا قسمين، ولكن مهما كان اختلافهم فقد وقع القياس فعلا وأثر في اللغة والنحو أثرا كبيرا كما رأيت، وكان شأن الفقهاء، حارب كثير منهم القياس وشنع على قائليه واستخدمه فعلا كأداة للتشريع. قال ابن الأنباري: «اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق لأن النحو كله قياس، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا يعلم أحد من العلماء أنكره» وينسب إلى الكسائي أنه قال:
إنا النحو قياس يتبع
وبه في كل أمر ينتفع •••
هذا القياس الذي اخترع منه النحويون كليات القواعد كان له أثر كبير في اللغة العربية، وأخشى أن تكون لغتنا التي نستعملها اليوم وقبل اليوم هي وليدة النحو واللغة معا، وليست وليدة اللغة وحدها، فاللغة - عادة - لا تخضع لقياس مطرد، فهي تقول: أكرم ويكرم، وأحسن ويحسن ولكن بجانب ذلك تقول: أحزن ويحزن؛ وفي القرآن الكريم
فلا يحزنك قولهم
وفي اللغة: أكرم فهو مكرم وأعظم فهو، معظم، ولكن بجانب ذلك أحب فهو محبوب؛ وفي اللغة: إن الساعة آتية، ولكن فيها أيضا: إن هذان لساحران؛ وفي اللغة: اليوم أقرأ وأكتب (بالرفع عند تجرد عوامل النصب والجزم) ولكن فيها أيضا ما قاله امرؤ القيس:
اليوم أشرب غير مستحقب