تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

وفي الواقع جاء علماء النحو (وكانوا أيضا علماء لغة وأدب، لأن هذه الفروع لم تنفصل وتحدد ويتميز كل عالم بعلم منها إلا بعد العصر الأول) فأرادوا أن يضعوا للجزئيات كليات، فقد رأوا جاء محمد، وذهب علي، وحسن منظره، فأرادوا أن يسموا الضمة على دال محمد وياء علي وراء منظره رفعا، وأن يسموا هذه الكلمات فاعلا، وأن يضعوا القاعدة العامة «الفاعل مرفوع»، وكذلك فعلوا في قواعد الصرف وبذلوا في ذلك جهدا غريبا في تتبع النصوص وإعمال الفكر واستخراج القاعدة، وليس يدري أحد مقدار المجهود الذي بذل في تعرف قاعدة يعرفها أطفال المدارس الابتدائية اليوم.

وقد نبت هذا البحث في العراق، ونما في العراق، كما نشأ جمع اللغة وتدوينها في العراق، وكما نشأ الفقه (بمعناه الخاص) في العراق، ولم يكن بالحجاز ولا غيره من الأمصار شيء يذكر من اللغة والنحو بجانب ما في العراق. قال الأصمعي: «أقمت بالمدينة زمانا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان بها ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلاما ينسبه إلى لعرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته «اه». وأما مكة فكان بها رجل من الموالي يقال له ابن قسطنطين شدا شيئا من النحو، ووضع كتابا لا يساوي شيئا».

42

وفي الحق أن العراق بز سائر الأمصار في اختراع العلوم وتدوينها، وعلة ذلك أن سكان العراق بقايا أمم قديمة متحضرة كان بها علم وتدوين، فلما دخل أهله في الإسلام فعلوا في العلوم العربية على قياس أممهم السابقة، فما كان منهم إلا أن طبقوا ما عرض في الإسلام على ما جرى عليه آباؤهم - هذا في العلوم عامة، وأما في علم النحو والصرف واللغة خاصة فإن حاجة البلاد الأعجمية إليها أشد من حاجة البلاد العربي، فما حاجة عرب البادية والحجاز إلى النحو واللغة، وهم يعرفون لغتهم ويتكلمون بها صحيحة عن سليقة، فإذا كان الباعث على النحو ما بدا من اللحن كان طبيعيا أن يكون منشؤه بلدا أعجميا، ولا أفضل في ذلك من العراق؛ فقد جمع إلى أعجميته ثقافة واسعة عميقة موروثة.

وأيا ما كان، فإن القياس الذي عرفت شأنه في الفقه، والذي قام به شيوخ أبي حنيفة في العراق وأكمله أبو حنيفة ووسعه، لعب دورا كبيرا في اللغة والنحو في العراق أيضا، وانقسم فيه العلماء أيضا بين محبذ ومشجع، وكاره ومخذل. كان الخليل بن أحمد في اللغة والنحو كأبي حنيفة قياسا يجيد القياس ويمد أطنابه، وكان الأصمعي كشيوخ المحدثين متشددا واقفا عند النص اللغوي يكره القياس ويعارضه؛ ودليلنا على ذلك ما ذكره ابن جني، قال في الخليل: «إنه سيد قومه، وكاشف قناع القياس في علمه»، ويقول في الأصمعي: «إنه ليس ممن ينشط للمقاييس»، ويقول فيه: إنه معروف «بقلة ابتعاثه في النظر وتوفره على ما يروي ويحفظ»

43

ويؤكد هذا أن الخليل أخذ يعلم الأصمعي العروض فتعذر ذلك على الأصمعي، فيئس الخليل منه، وعرض له بقول الشاعر:

إذا لم تستطع شيئا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

وقبل الخليل كان علماء يميلون إلى القياس، كما كان قبل أبي حنيفة في ذلك في الفقه، فقد ذكروا أن ابن أبي إسحق الحضرمي «كان شديد التجريد للقياس».

44

هذا القياس الذي مهر فيه الخليل هو الذي أوجد النحو، ووسع اللغة من وجوه عدة: (1)

أن القواعد التي وضعوها اشتقوها من طريق استقراء ناقص، فطردوها في الباب كله، فقد سمعوا أفعالا ثم وضعوا قواعد أن الماضي إذا كان كذا كان مضارعه كذا، وأمره كذا، واسم فاعله كذا، واسم مفعوله كذا؛ وهم لم يسمعوا كل فعل ولا كل اسم فاعل ومفعول، وقالوا: إن ما كان من الكلام على وزن «فعل» فجمعه في التكسير على وزن أفعل، وأجازوا ذلك حتى فيما لم يسمع من العرب. ومن الجائز أن العرب لم تجمع كل المفردات منه هذا الجمع بل جمعت بعضها على نمط آخر، ونحن نرى أن جميع اللغات لم تجر على نمط واحد في جمعها؛ قال ابن جني: «ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة، بل سمعته مفردا، أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره»، ويقول: «فإذا سمعت ضؤل ولم تسمع مضارعه، فإنك تقول فيه يضؤل، ولا تحتاج أن تتوقف لأنه لو كان محتاجا إلى ذلك.. لكان معنى هذا أن القوم قد جاءوا بجميع المواضي والمضارعات وأسماء الفاعلين والمفعولين والمصادر وأسماء الأزمنة والأمكنة، والآحاد والثنائي، والمجوع والتكابير والتصاغير» يعني وهي لم تفعل ذلك.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٧١