تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37

ولكن لم يصل إلينا شيء من ذلك، وما أظن الشعر بحيث يستطيع أحد جمعه كله، بل أظن أن هذه العبارة محرفة، وأن العبارة الصحيحة ما وردت في ابن النديم: «إن الخليل أول من استخرج العروض وحصن به أشعار العرب»،

38

بدليل أن عبارة ابن الأنباري نفسه لا تستقيم إلا بهذا، فإنه يقول: «كان أول من حصر أشعار العرب، وكان يقول البيتين والثلاثة ونحوها في الأدب»؛ فالعبارة الأخيرة تؤيد ما ذهبنا إليه.

على كل حال اتجه علماء الأدب إلى جمع المختارات، ومن أقدم ما وصل إلينا من ذلك العصر: المفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب كلها وكلها شعر.

فالمفضليات مجموع قصائد، قال ابن النديم: «إنه عملها للمهدي، وهي مائة وثمان وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه، والصحيحة هي التي رواها عنه ابن الأعرابي».

39

وما بين أيدينا الآن منها يحتوي على 126 قصيدة لسبعة وستين شاعرا، منهم ستة عاشوا حياتهم كلها في الإسلام، وأربعة عشر مخضرمون عاشوا أكثر حياتهم في الجاهلية ثم أسلموا، وسبعة وأربعون عاشوا وماتوا في الجاهلية.

وقد روى المفضل القصائد كلها كاملة، فهي قصائد لا مقطعات، كما فعل أبو تمام في ديوان الحماسة، فقد اختار من القصائد أجودها، أما المفضل فاختار من الشعر أجوده قصائد؛ وقد وصلت إلينا هذه القصائد، ووصل إلينا شرحها القيم لأبي محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، وقام بنشره الأستاذ “Lyall”

مع ترجمة للمفضليات إلى الإنجليزية، ومع تعلقيات وبحث في المفضليات في مقدمته.

أما الأصمعيات فمجموعة قصائد أيضا تنسب إلى الأصمعي، وهي سبع وسبعون قصيدة، وقد روى بعضهم أن الأصمعي أراد بها أن يكمل المفضليات ويزيد عليها، كما كان بعضهم أن المفضليات التي بين أيدينا لم تبلغ هذا المبلغ من الكبر إلا بزيادة الأصمعي فيها. روي أن محمد بن الليث الأصبهاني قال: «أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات وذكر أنها كانت ثلاثين قصيدة، وكان جمعها لأمير المؤمنين المهدي، فقرئت من بعد على الأصمعي فبلغ بها مائة وعشرين». وقد نشر الأصمعيات الأستاذ «أهلورت

Ahlwardt » مع تعليقات عليها وبحث فيها.

وأما جمهرة أشعار العرب فكتاب ينسب إلى أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وهو شخصية غير معروفة، قالوا إنه مات سنة 170، ولكن تاريخ حياته وهويته أحاط بها الغموض، هو ثنايا الكتاب يقول: حدثنا المفضل ابن محمد الضبي، فإن صح ذلك فهو تلميذ من تلاميذه.

والجمهرة مختار من الشعر الجاهلي والمخضرم، ورتبها سبع مرات في كل مرتبة سبع منظومات. المعلقات، وقد خالف في ترتيبها المشهور. والمجمهرات، يعني القصائد المحكمة السبك، القوية النسج. والمنتقيات، أي المختارات. والمذهبات أي التي تستحق أن تكتب بالذهب. والمراثي. والمشوبات، أي التي شابها الكفر والإسلام. والملحمات، ولعلهم أرادوا بهذه التسمية الإشارة إلى إحكام نظمها، وإلحام شعرها.

40

والتفريق بين هذه الأسماء - كما ترى - غير مضبوط ولا متقن، وهذا التقسيم بهذا الشكل لا نعرف له نظيرا في هذا العصر، عصر الضبي وتلاميذه، فإذا أضيف إلى ذلك عدم التحقق من المؤلف، حملنا هذا كله على الشك في الكتاب، وإن كان ما فيه قيما.

كما أن من أقدم ما وصل إلينا من الكتب التي جمعت بين مختار الشعر والنثر: البيان والتبيين للجاحظ، ثم الكامل للمبرد. وقد سبق الكلام فيهما في الجزء الأول من ضحى الإسلام.

بعد أن جمعت اللغة والأدب نوعا من الجمع جاء علماء النحو والصرف ففلسفوا اللغة كما فلسف الفقهاء آيات الأحكام من القرآن والأحاديث، وفتاوى الصحابة والتابعين، وكما فلسف المتكلمون العقائد. ويعجبني في ذلك قول عبد اللطيف البغدادي: «اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته، ثم إن الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه، ويبسط فيه علله، ويقيس عليه الأمثال والأشباه».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٧٠