وكما كان في اللغة صحيح ومصنوع كان في الأدب صحيح ومصنوع. قال محمد بن سلام الجمحي في الطبقات: «في الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في غريبه، ولا غريب يستفاد، ولا مثل يضرب، ولا مدح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة، ولا يروي عن صحفي، وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج عنه؛ وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات».
35
ودخل الشك فيما روي من الأدب ما عدا ما جاء منه متواترا لأسباب ورد أكثرها فيما ذكرنا من الشك في اللغة.
ووقع التصحيف في الأدب كما حصل في اللغة، فصحف الأصمعي بيت الحطيئة:
وغررتني وزعمت أن
ك لابن في الصيف تامر
أي كثير اللبن والتمر إلى: وغررتني وزعمت أنك لاتني بالضيف تامر - أي لا تتواني عن ضيفك تأمر بتعجيل القرى إليه.
وأنشد الأخفش أبا عمرو بن العلاء:
قال قتيلة ماله
قد جللت شيبا شواته
فقال أبو عمرو: كبرت عليك رأس الراء، فظننتها واوا، وإنما هي سراته؛ قلت: وما سراته؟ قال: سراة كل شيء ظهره. إلى كثير من أمثال ذلك.
هذا إلى أن كثيرا من الأبيات رويت بروايات مختلفة، فأبو عمرو يروي البيت:
دعاني إليها القلب إني لأمره
سميع فما أدري أرشد طلايها
والأصمعي يرويه:
عصاني إليها القلب إني لأمره
مطيع فما أدري أرشد طلابها
وتقرأ شرح ابن الأنباري على المفضليات فلا تكاد تجد قصيدة لم ترو روايات عدة، بزيادة أو حذف، وتقديم أو تأخير، وتغيير كلمات في الأبيات؛ ولنسق لهذا مثلا، فالبيت:
صرمت زنيبة حبل من ألا يقطع
حبل الخيل وللأمانة تفجع
يروى: ولا الأمانة يفجع، ويروى: وصل من لا يقطع، ويروى: وللإمانة تفج. وقول تأبط شرا:
بل من لعذالة خذالة أشيب
حرق باللوم جلدي أي تحراق
روى: جدالة، أي كثير الجدل والمنازعة، وروى جذالة؛ وروى (في أشب): نشب؛ ويروى: يحرق بدل حرق، وروى: بل من لعاذلة، وروى: خرق بدل حرق
36
إلخ. وربما لا تفتح صفحة من الكتاب إلا وتقع عينك على مثل هذا.
وسببه أمور أهمها: أن الأدب الجاهلي والإسلامي ظل سنين طويلة يتناقله الرواة شفاها عن حفظهم لا عن كتاب مدون، والحافظة كثيرا ما تخطئ، وكثيرا ما تضع كلمة مكان كلمة متى استقام الوزن والمعنى، فراو يغير كلمة، وراو يغير أخرى، وراو لا يغير؛ والعلماء يروون عن رواة مختلفين فيأتي هذا الاختلاف. ومن أسباب ذلك ما تقدم وهو أن العلماء كانوا يأخذون أحيانا عن صحف غير منقوطة ولا مشكولة، فيقرؤها كل حسبما يصح عنده معناها، فخذالة إذا لم تنقط تقرأ جدالة وجذالة، وحرق إذا لم تنقط تقرأ حرق وخرق، فيأخذها كل حسب اجتهاده، ويمعن الفكر في تأويل المعنى على وفق ما قرأ. وقد روي لنا الشيء الكثير فيما وقع بين العلماء من نزاع وخصومة حول البيت يرويه أحدهم على شكل ويرويه الآخر على شكل آخر. •••
ولما دونوا الأدب اتجهوا جهة أخرى غير جهة اللغة، ففي اللغة ساروا نحو الجمع والاستقصاء حتى وصلوا إلى عمل معجم شامل، أما في الأدب فساروا على منهج الاختيار، ولم يحاولوا أن يضعوا كتبا شاملة لكل ما روي من أدب عن كل القبائل، ولم يبتكروا نظاما لجمع الأدب كما ابتكروا نظاما لعمل المعاجم؛ ولعل سببه أنهم لو شاءوا ذلك ما تيسر لهم؛ لأن فردا وأفرادا لا يستطيعون القيام به، ولو حاولوا لبلغ ذلك مئات المجلدات بل أكثر؛ قد يسهل الجمع إذا أرادوا أن يجمعوا شعر شاعر ما في الدواوين؛ أما أن يجمعوا كل الشعر وكل النثر فشيء تنوء به العصبة أولو القوة؛ ولأن الأدب فن، والفنان - عادة - يتجه إلى اختيار الأجود من الصور، وفي عرضه غناء عن عرض كل الصور. نعم روي أن الخليل أراد أن يعمل في الشعر ما عمل في اللغة، فقد روى ابن الأنباري: «أنه أول من حصر شعر العرب»،