قال: ائذعر القوم، تفرقوا. والصواب: ابذعروا.
قال:عسا الليل، أظلم. وإنما هو غسا بالغين المعجمة.
قال: الجحل أولاد الإبل. وهو غلط إنما هو: الحجل بالحاء قبل الجيم.
قال: بنات بحر، ضرب من السحاب. والصواب: بنات بخر بالخاء المعجمة.
وقال: مرحت الجلد، دهنته. وإنما هو: مرخت.
وقال: ضبأت المرأة، كثر ولدها. والصواب: ضنأت.
وقال: شيء ربيذ، بعضه على بعض. والصواب: رثيد. إلى كثير من أمثال ذلك.
واستمر مؤلفو العاجم يسيرون على نمط الخليل حتى أتى الجوهري في القرن الرابع فاخترع النمط الذي جرى عليه فيما بعد القاموس ولسان العرب وغيرهما، كما سنبينه في حينه إن شاء الله.
هذه هي المراحل الثلاث الطبيعية لجمع اللغة، جمع مفردات حيثما اتفق، وجمع كلمات متقاربة نوعا من التقارب، أولها موضع واحد ، ثم جمع المعجم، وكانت كل مرحلة من هذه المراحل تسلم إلى ما بعدها. ولا يعكر على هذه الفكرة إلا أن الخليل وهو واضع الفكرة الثالثة كان أسبق زمنا من أبي زيد والأصمعي، واضعي الفكرة الثانية، ولكن نجيب على هذا بأن الثلاثة تعاصروا زمنا طويلا فالخليل عاش من (100-175) والأصمعي من (122-213) وأبو زيد (توفي سنة 215) عن بضعة وتسعين عاما؛ فقد عاشوا معا زمنا طويلا، وربما سبق الأصمعي وأبو زيد بالتأليف في المفردات، وبأن الخليل على ما عليه أكثر المحققين وضع الفكرة فقط ولم يستطع أن يملأها وينفذها من قاربه في الزمن مثل الأصمعي وأبي زيد؛ لأن فكرة الخليل كانت طفرة في التفكير، وكانت قبل زمانها، فلم يستطع أن يملأها إلا من أتى بعده وبعد الأصمعي وأبي زيد، لهذا لا تزال فكرة التسلسل معقولة صحيحة.
ومع هذا فلا الخليل ولا غيره ممن أتى بعه من أصحاب المعاجم استطاعوا أن يجمعوا الألفاظ العربية كلها، ولا أن يستقصوا معاني الألفاظ التي جمعوها، وآية ذلك أن كلمات كثيرة وردت في الشعر الجاهلي والإسلامي تستعمل استعمالا لا يتفق وما في المعاجم. •••
وكل ما قلناه في اللغة ينطبق على الأدب، فقد كانت اللغة ممتزجة بالأدب امتزاجا تاما، كان لكل قبيلة أدبها كما كان لكل قبيلة لغتها، فتروي خطب خطبائها وشعر شعرائها، ويحفظ الخلف من القبيلة آثار السلف.
والعلماء الذين رحلوا إلى البادية أو رحل الأعراب إليهم، كانوا يأخذون عن العرب أدبهم كما يأخذون لغتهم، وأحيانا كانوا يأخذون اللغة في ثنايا الأدب. قال الأصمعي: بينا أنا بحمي ضرية إذ وقف علي غلام من بني أسد في أطمار، ما ظننته يجمع بين كلمتين، فقلت: ما اسمك، فقال: حر يقيص، فقلت: أما كفى أهلك أن يسموك حرقوصا
30
حتى حقروا اسمك؟ فقال: إن السقط ليحرق الحرجة،
31
فقلت: أتنشد شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم أنشدك لمرارنا، قلت: افعل، فقال:
سكنوا شبيثا والأحص وأصبحوا
نزلت منازلهم بنو ذبيان
32
وإذا يقال أتيتمو لم يبرحوا
حتى تقيم الخيل سوق طعان
وإذا فلان مات عن أكرومة
رقعوا معاوز فقره بفلان
33
وقال الأصمعي أيضا أنشدتني عشرقة المحاربية، وهي عجوز حيزبون زولة:
34
جريت مع العشاق في حلبة الهوى
ففقتهمو سبقا وجئت على رسلي
فما لبس العشاق من حلل الهوى
ولاخلعوا إلا الثياب التي أبلي
ولا شربوا كأسا من الحب مرة
ولا حلوة إلا شرابهم فضلي
وكانوا يأتون القبائل يأخذون عنهم شعر الشعراء، فرووا أن الشافعي رحل إلى البادية، وكان يحفظ عشرة آلاف بيت من هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها، وكان يحمل شعر الشنفري، وأخذ عنه العلماء ذلك، ومنهم الأصمعي.ورووا عن الأعراب قصصهم وخرافاتهم وأيامهم، وللأصمعي في ذلك القدح المعلى، فقد ملأ كتب الأدب بما روى عن أعراب في البادية، ومن هذا الشيء الكثير في أمالي القالي، وعلى كل حال فقد طلب العلماء الأولون الأدب، أما لنفسه وأما لأنه مادة اللغة، ومستودع غريبها.