تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوجت هذه المرحلة بكتب تؤلف في الموضوع الواحد، فألف أبو زيد كتابا في المطر، وكتابا في اللبن. وألف الأصمعي كتبا كثيرة صغيرة كل كتاب في موضوع، فكتاب في النخل والكرم وكتاب في الشاء، وكتاب في الإبل، وكتاب في أسماء الوحوش، وكتاب في الخيل، وكتاب النبات والشجر إلخ.

ولبيان نوع التأليف في ذلك نسوق مثلا، قال الأصمعي في كتاب النخل والكرم: «من صغار النخيل الجثيث، وهو أول ما يطلع من أمه، وهو الودي والهراء والفسيل. وإذا كانت الفسيلة في الجذع ولم تكن مستأرضة فهو خسيس النخل، والعرب تسميها الراكب ، فإذا قلعت الودية من أمها بكر بها قيل ودية منعلة، فإذا غرسها حفر لها بئرا فغرسها ثم كبس حولها بترنوق المسيل والدمن، فتلك البئر هي الفقير. يقال فقرنا للودية تفقيرا والأشأ من صغار النخل».

ويقول: ومن نعوت سعفها وكربها وقلبها: يقال للفسيلة إذا أخرجتقلبها قد أنسغت. ويقال للسعفات اللواتي يلين القلبة «العواهن» في لغة أهل الحجاز أما أهل نجد فيسمونها «الخوافي»، وأصول السعف الغلاظ «الكرانيف» الواحدة كرنافة، والعريضة التي تيبس فتصير مثل الكتف هي الكربة، وشحمة النخلة هي الجمار، فإذا صار للفسيلة جذع قيل قعدت، وفي أرض بني فلان من القاعد كذا وكذا، والسعف هو الجريد عند أهل الحجاز، واحدته جريدة وهو الخرص وجمعه خرصان، والخلب الليف واحدته خلبة».

27

المرحلة الثالثة - وضع معجم يشمل كل الكلمات العربية على نمط خاص إليه؛ ليرجع إليه من أراد البحث عن معنى كلمة.

وأول من فكر في هذا الموضوع - في اللغة العربية - الخليل بن أحمد - على ما بلغنا - فكر في أن يجمع كل ما عرف من ألفاظ العرب في كتاب مرتب، وقد اعترضته في ذلك صعوبتان: الأولى كيف يحصر لغة العرب، الثانية كيف يرتبها.

أما المسألة الأولى فحلها بالطريقة الآتية: رأى أن الكلمات العربية أما أن تكون مركبة من حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، ولا تزيد الكلمة العربية عن ذلك باعتبار أصولها، ثم رأى أن الكلمات الثنائية - عقلا - يمكن حصرها بأن يفرض أن الحرف الأول مثلا ا فالحرف الثاني قد يكون باء أو تاء أو ثاء إلخ، فإذا ضربنا 1 × 27 (وهي عدد حروف الهجاء) أمكن أن نحصر الكلمات الثنائية المبدوءة بالألف. ثم نأخذ الباء ونضربها في 26، والتاء ونضربها في 25 وهكذا، ومجموع كل هذا نضربه في 2 ليكون معنا مقلوب الحروف؛ لأن التقديم والتأخير معتبر في التركيب، فيكون مجموع ذلك جميع الكلمات المركبة من حرفين.

ويلاحظ أنه بهذا ترك الكلمات المركبة من حرفين متماثلين مثل أ أ، ب ب.

ثم عمل كذلك في الثلاثيات، ففرض أن كل ثنائي مما تقدم يعتبر كأنه حرف واحد، فتضرب عدد الثنائيات في 26 وما بعده في 25 وهكذا، ومجموع ذلك يضرب في 6 جملة المقلوب، وفعل مثل ذلك في الرباعي والخماسي.

وبذلك حصر جميع الكلمات التي يمكن أن توجد - نظريا - ثم بين منها المهمل والمستعمل، ويعني بالمهمل الكلمة التي لم تقلها العرب ولم تستعملها في معنى خاص، كعضخ فإنها استعملت مثلا خضع ولم تستعمل عضخ، فكان الخليل إذا وصل إلى مادة مهملة نبه على أنها مهملة، وإذا وصل إلى مادة مستعملة أبان معناها.

المسألة الثانية - نرى أن الخليل رتب الكلمات على حسب أوائلها، ولكنه لم يراع الترتيب المعروف عندنا: ا ب ت إلخ، بل رتبها هكذا:

ع ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م وا ي

وقد سمى كتابه كتاب العين؛ باعتبار أول أجزائه، كما سمى أبو تمام كتابه بالحماسة؛ لأنه أول باب من أبوابه العشرة.

وقد راعى في هذا الترتيب مخارج الحروف، فبدأ بحروف الحلق، ثم ما بعدها من حروف الحنك، ثم الإضراس، ثم الشفة، وجعل حروف العلة آخرا، وهي الحروف الهوائية.

وبدأ من حروف الحلق بالعين لأنه من أقصى حروف الحلق؛ وقد لوحظ عليه أن العين ليست أقصى الحروف مخرجا، وإنما أقصاها الهمزة ثم الهاء.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٦٦