تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عدم تحديد المعاني التي ينقلونها، وذلك أن كثيرا من الكلمات - كما رأيت - كان ينقل سماعا عن العرب، ويفهم السامع معانيها لا بالإشارة ولكن بالقرائن، فيفهم سامع شيئا ويفهم سامع آخر شيئا آخر؛ فقد سمعوا مثلا قول العربي: ما أصابتنا العامقابة، ففسرها بعضهم بقطرة من مطر، وفسرها بعضهم بالرعد، ويتصل بهذا ما كان يروى لهم من شعر، فكانوا يختلفون في تفسير غريبه اجتهادا منهم واستعمالا للقرائن، وهم يختلفون في فهمها. (4)

اعتمادهم في أخذ مفردات اللغة أحيانا على أبيات نسبت إلى الجاهليين أو الإسلاميين زورا، وإنما هي من وضع الشعراء أمثال خلف وحماد فاستشهدوا بأبيات من لامية العرب - أقيموا بن أمي صدور مطيكم - وقد قال الثقات إنها مصنوعة.. إلخ. (5)

تعرض اللغويين إلى أصل الكلمات، وبيان أنها أخذت من الفرس أو الروم أو نحوهما، وكان علمهم بلغات من حولهم ناقصا فلم يكن فيهم من يعرف الهيروغليفية والحبشية والسريانية واليونانية والحميرية والسبئية معرفة صادقة حتى يستطيع أن يقول قولا يعتمد عليه في أصل الكلمات واشتقاقها؛ ولهذا وقعوا في كلامهم في المعاجم في أخطاء كثيرة، فزعموا في كلمات أنها عبرانية وليست عبرانية وكلمات سريانية وليست كذلك، وكلمات عربية وهي ليست بها، وادعوا اشتقاقها من كلمات وليست كذلك إلخ. (6)

ما ذكره ابن الأنباري من أن الكلمات قسمان: كلمات متواترة وآحاد، فأما المتواترة فلغة القرآن وما تواتر من السنة وكلام العرب، وهذا قطعي يفيد العلم، وأما الآحاد فما تفرد بنقله بعض أهل اللغة، ولم يوجد فيه شرط التواتر اه. وهذا المتوتر قليل إذا قيس بغيره، فكثير من الكلمات لم يروها جمع من أهل المتواتر عن غيرهم وأقصى ما في الأمر أنها رويت عن الخليل وأبي عمرو والأصمعي وأقرانهم، ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين ولا بالغين حد التواتر،

26

فهي مظنونة لا مقطوع بها.

من كل هذا نتبين أن هناك ألفاظا مقطوعا بصحتها وهي ألفاظ القرآن ونحوها، وألفاظا مظنونة وهي غيرها، تحتمل الشك وتحتمل الفساد؛ ومع هذا فلا ضير علينا، فيكفي في اللغة المواضعة والاتفاق على الكلمة، ولوخلقت خلقا، وكل الذي نريد أن نستفيده من هذا أن اللغة وهذا شأنها فيما عدا ما ذكرنا من الألفاظ لم تبلغ حدا من التقديس يصح أن تهدر معه حرية الأمم في اختيار الكلمات المناسبة، وإماتة غير المناسبة، وتكميل ما نقص، وخلق ما ليس بموجود. •••

كان طبيعيا أن يسير جمع اللغة في مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى:

جمع الكلمات حيثما اتفق؛ فالعالم يرحل إلى البادية يسمع كلمة في المطر، ويسمع كلمة في اسم السيف، وأخرى في الزرع والنبات، وغيرهما في وصف الفتى أو الشيخ إلى غير ذلك، فيدون ذلك كله حسما سمع من غير ترتيب إلا ترتيب السماع، كالمحدث كان يسمع حديثا في الوضوء، وحديثا في البيع، وحديثا في الميراث، فيجمع ذلك كله على ما سمع من غير ترتيب؛ ودليل ذلك ما روي عن العلماء الأولين في روايتهم وعن صحفهم من تفسير كلمات متفرقة لا يربطها رابط.

المرحلة الثانية:

جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد، كالمحدث يجمع أحاديث الصلاة، ويسميها كتاب الصلاة، وأحاديث البيع، ويسميها كتاب البيع، كما فعل مالك في الموطأ، والذي دعا إلى هذا في اللغة - على ما يظهر - أنهم رأوا كلمات متقاربة المعنى، فأرادوا تحديد معانيها، فدعاهم ذلك إلى جمعها في موضع واحد. مثال ذلك: ما روي عن الأصمعي: «من أصوات الخيل الشخير والنخير والكرير: فالأول من الفم؛ والثاني من المنخرين، والثالث من الصدر» ومثل قوله: «الهتل من المطر أصغر من الهطل». أو رأوا كلمات متقاربة اللفظ متقاربة المعنى، فأرادوا تحديد معانيها في دقة، مثال ذلك ما قال الكسائي: «القضم للفرس، والخضم للإنسان»، ومثل: «القبض الأخذ بأطراف الأنامل، والقبض الأخذ بالكف كلها» و«القد طولا، والقط عرضا» إلخ. أو رأوا كلمة واحدة وضعت لمعان مختلفة ففسروها، كالذي قال الأصمعي: «العين النقد من الدراهم والدنانير وليس بعرض. والعين مطر أيام لا يقلع، والعين عين الإنسان، والعين عين البئر، والعين عين الميزان، والعين عين النفس أن يعين الرجل الرجل ينظر إليه فيصيبه بعين إلخ»: ولكن هذه المحاولة الأولى لم تكن مستقصية ولا وافية، بل كانت خطرات وأمثلة منثورة.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٦٥