تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما اتبعوا فيه نمط المحدثين تجريح الرجال وتعديلهم، فعدلوا الخليل بن أحمد وأبا عمرو بن العلاء مثلا، وجرحوا قطربا المتوفي سنة 206، وهو الذي قال فيه ابن السكيت: كتبت عنه قمطرا ثم تبينت أنه يكذب في اللغة فلم أذكر عنه شيئا، ولكن لم يبلغوا في ذلك مبلغ المحدثين في دقة التحري والتقصي.

على كل حال ما جمع من اللغة ليس كله في درجة واحدة من الثقة به، وليس في درجة واحدة من الصحة، فقد تطرق إليه الشك أحيانا، والخلل والفساد أحيانا من عدة جهات: (1)

أن بعض علماء اللغة لم يكن ثقة فيما يرويه قال الخليل بن أحمد: «إن النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللبس والتعنت».

21

وقال اللاحقي: سألني سيبويه: هل تحفظ للعرب شاهدا على إعمال فعل؟ قال: فوضعت له هذا البيت:

حذر أمورا لاتضهر وآمن

ما ليس منجيه من الأقدار

وقال الخليل: أما ضهيد وهو الرجل الصلب، فمصنوع لم يأت في الكلام الفصيح. وقالوا: عنشج، وهو الرجل المتقبض الوجه السيء المنظر مصنوع. وفي الجمهرة: قد جاء في باب «فيعلول» كلمتان مصنوعتان في هذا الوزن، قالوا: عيدشون دويبة، وليس بثبت، وصيخدون، قالوا: الصلابة ولا أعرفها. وقد ورد من ذلك الشيء الكثير، وقد حملهم على الوضع حب الظهور بمعرفة ما لم يعرفه أحد من العلماء، والضيق عند السؤال، وما كان بين العلماء من منافسات شديدة بين يدي الخلفاء والأمراء وفي محضر الناس. (2)

ما سبق من أخذ بعض العلماء اللغة عن الكتب والصحف، وقد كانت الكتابة في عصورها الأولى غير منقوطة ولا مشكولة إلا القرآن، فدخل اللغة ما سمي التصحيف. قال المعري: أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب، قال في المزهر: وقد وقع فيه جماعة من الأجلاء من أئمة اللغة أئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد: «و من يعري من الخطأ والتصحيف؟»

22

حتى الأئمة الكبار في اللغة مثل الخليل والأصمعي وغيرهما وقعوا في التصحيف، فمن ذلك يوم «بعاث» وهو يوم كان فيه حرب بين الأوس والخزرج، فجاء في كتاب العين «بغاث» بالغين المعجمة، وكان هذا مما طعن فيه على كتاب العين لأنه يوم مشهور لا يصح أن يخطئ فيه الخليل:

وقال العجاج يصف امرأة من نساء عفيفات:

وحاضن من حاجنات ملس

من الأذى ومن قراف الوقس

في قنس مجد كل قنس

23

فصحفه أبو عبيدة فرواه القبس بالباء. وروى البصريون بيت الأعشي:

نفى الذم عن رهط المحلق جفنة

كجابية الشيخ العراقي تفهق

وفسروه بأن الشيخ العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته لأنه حضري، فلا يعرف مواقع الماء ولا محاله، وتقول أم الهيثم الأعرابية الكلابية - راوية أهل الكوفة - إنما هي كجابية السيح أي النهر الذي يجري على جابيته فماؤها لا ينقطع لأن النهر يمده.

24

وفي المثل: دقك بالمنحاز حب القلقل، فقال العامة فيه: حب الفلفل، قال الأصمعي: «وهو تصحيف إنما هو بالقاف وهو أصلب ما يكون من الحبوب». واختلفوا في بيت الحارث بن حلزة يذكر قوما أخذوهم بذنب غيرهم:

عنتا باطلا وظلما كما تعتر

عن حجرة الربيض الظباء

فقرأه بعضهم «تعتر» بالعين والراء المهملتين، ذلك أنهم كانوا في الجاهلية يقولون: إن بلغت إبلي مائة عترت عتيرة. فإذا بلغت مائة ضن بغنمه فصاد ظبيا، فعتره أي ذبحه. يقول الحارث: هذا الذي تفعلونه باطل وظلم كما يعتر الظبي عن ربيض الغنم. وكان الأصمعي يقرأ البيت «تغنز» بالزاي المعجمة، ويفسره بأنها تطعن بالعنزة، وهي الحربة، وعد العلماء قوله تصحيفا، وجاء في الحديث: اكفتوا صبيانم حتى تذهب فحمة العشاء،

25

فكان أبو عمرو بن العلاء يقولها بالفاء، وكان عيسى بن عمر يقولها بالقاف، وكل يرمي الآخر بالتصحيف.

وجاء في اللغة من ذلك الشيء الكثير، بعضه عرف واستكشف، وبعضه لم يعرف ولم يستكشف، وهذا - من غير شك - يوقع الشك في بعض ما ورد في اللغة، فمثلا يقول في القاموس: «الغلث كالعلث في معانيه» ولا أظن إلا أن إحدى الكلمتين مصحفة عن الأخرى؛ لأن راويها أخذها عن الكتب. (3)

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٦٤