هذه هي المصادر الأولى لجمع اللغة. القرآن، والشعر الموثوق بصحته والموثوق بعربية قائله، ومشافهة العرب، وبعد الرعيل الأول من العلماء كانت إحدى المصادر أخذ العلماء عمن قبلهم؛ وبهذا جمعوا ما رواه العلماء المختلفون من المصادر السابقة، فيقولون: أملى علينا فلان كذا؛ ويقول الفراء: سمعت الكسائي يقول إنه سمع اسقني شربة ما (بالقصر)، يريد شربة ماء. ويروي عبد الرحمن فيقول: حدثني عن الأصمعي قال : سمعت أعرابيا يدعو لرجل فيقول: جنبك الله الأمرين (يريد الفقير والعري). ويقول أبو المنهال: أخبرنا أبو زيد قال: «السانح الذي يليك ميامنة إذا مر، من طير أو ظبي، والبارح الذي يليك مياسرة إذا مر بك» إلخ. وقد يأخذ العالم من كتاب فيقول ابن الأنباري: وجدت في كتاب أبي عن أحمد بن عبيد عن أبي نصر، كان الأصمعي يقول: الجلل الصغير اليسير، ولا يقول الجلل العظيم
20
إلخ.
وكان هذا سبب وفرة الجمع؛ لأن كل عالم جمع أشياء سمعها وعرفها واقتصر عليها، وبجانبه عالم آخر سمع أشياء أخرى وعلمها واقتصر عليها، فجاءت الطبقة التي بعدهم فجمعت ما تفرق عند العلماء، ومن ذلك كانت كل طبقة أوسع معرفة ممن قبلها، وشأنها في ذلك شأن المحدثين، فقد كان كل صحابي يعرف بعض الحديث، فجاء التابعي فسمع من جملة من الصحابة، وجاء تابع التابعي فسمع من عدد أكبر، حتى جاءت طبقة رحلت إلى مصر والشام والعراق وجمعت ما عند العلماء، وكان لنا من ذلك كتب الحديث الضخمة كما رأيت، بل قد رتب علماء اللغة درجة الأخذ والتحمل كما فعل المحدثون، فقال: «أملى علينا» أرفع من «سمعت»، و«سمعت» أعلى من «حدثني»، و«حدثني» خير من «أخبرني» كما يفعل المحدثون.
وكان دون ذلك كله الأخذ من الكتب والصحف.
وبدءوا في رواية اللغة بدءهم في الحديث، فكانوا يذكرون السند، فيقول ثعلب - مثلا - في أماليه: حدثني أبو بكر بن الأنباري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال لحن الرجل يلحن لحنا فهو لاحن، إذا أخطأ ولحن يلحن لحنا فهولحن، إذا أصاب وفطن؛ ولكن علماء اللغة لم يستمسكوا بذلك طويلا كما استمسك المحدثون، فلم يكن لنا معجم لغة مسند كمسند البخاري ومسلم. والسبب في هذا أن اللغة أوسع جدا من الحديث، فلو اتبع في كل كلمة وكل اشتقاق الإسناد لبلغ المعجم حدا لا يقدر، ولأن اللغة فيما عدا ألفاظ القرآن ليس لها من التقديس ما للحديث.
كذلك مما اتبع في اللغة على نمط الحديث أنهم رتبوا ما ورد من اللغة ترتيب أهل الحديث. ففصيح وأفصح، وجيد وأجود، وضعيف ومنكر ومتروك، كما فعلوا في الحديث من صحيح وحسن وضعيف، فقالوا: إن اللغة التي ورد بها القرآن أفصح مما في غيره، فقالوا: أوفى بالعهد أفصح من وفى بالعهد؛ لأن الأولى لغة القرآن؛ وقالوا: المزراب لغة في الميزاب وليست فصيحة؛ وقالوا: الخوى الجوع مقصور، وقد مده قوم وليس بالعالي؛ وقالوا: رضبت الشاة لغة مرغوب عنها، والفصيح ربضت؛ وقالوا: دمعت عيني (بكسر الميم) لغة رديئة. والظاهر أنهم راعوا في تفضيل لغة على لغة، وجعل بعض اللغات أفصح من بعض، وقبول بعض اللغات واللهجات دون بعض أمورا كثيرة، منها: أن الكلمة إذا نطقت بها جملة قبائل كانت خيرا من الكلمة تنطق بها قبيلة واحدة، ومنها: أن الكلمة إذا وردت على القياس النحوي والصرفي فضلوها على غيرها. «قال رجل لأبي عمرو ابن العلاء: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ فقال: أحمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات». ومنها: أن الكلمة إذا رواها علماء كثيرون كانت أصح من الكلمة رواها راو واحد. قال في الجمهرة: «قال الأصمعي: أرض قرواح وقرياح وقرحياء قفراء ملساء، وقريحاء لم يجئ بها غير الأصمعي». وقال القالي: «قال اللحياني: يقال قعد فلان الأربعاء والأربعاوي، أي متربعا وهو نادر ولم يأت به أحد غيره» إلخ.