تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

إلخ.

على كل حال اتجاه العلماء إلى جمع اللغة باعتبارها وحدة، وكانت مصادرهم متعددة، فأول ذلك القرآن الكريم، ففيه مفردات واستعمالات كانت أصح مصدر لعلماء اللغة، قال الراغب الأصفهاني: «ألفاظ القرآن هي لب كلام العرب، وزبدته وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وما عدا الألفاظ المتفرعات عنها والمنتقاة منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالنسبة إلى لبوب الحنطة».

15

وعلى الجملة كانت ألفاظ القرآن مادة كبيرة من مواد اللغة اجتهد العلماء في تحديد معانيها، وكانت حافزا لهم على الرحلة والرواية لتبيين مدلولها؛ كما كانت ألفاظه سببا في أن يجمعوا حول كل لفظة ما يتصل بها ويبين اشتقاقها وما تفرع من مادتها، فإذا جاءوا مثلا لكلمة أجاج في قوله تعالى: « هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج» قالوا إن معناها شديد الملوحة، وقارنوا بينها وبين أجيج النار، وقولهم أج الظليم إذا عدا، إلخ؛ وقارنوا بين استعمال الكلمات المختلفة في القرآن ذوات المبنى الواحد لتحديد معانيها، ووجوه الشبه بينها فقارنوا بين فجر في قوله تعالى:

وفجرنا الأرض عيونا

والفجر في قوله:

والفجر * وليال عشر

والفجر في قوله:

إن قرآن الفجر كان مشهودا

والفجار في قوله تعالى:

إن كتاب الفجار لفي سجين

وقوله:

بل يريد الإنسان ليفجر أمامه

إلخ.

كذلك كان من مصادرهم ما ورد من الشعر الذي يحتج به من جاهلي وإسلامي فقد أتى فيه كثير من الغريب، فأخذوا يبحثون عن معانيه؛ والشعر نفسه بعضه يدل على معاني بعض.

ومن مصادرهم سماع الأعراب في البادية؛ وكثيرا ما كانوا يخرجون ويمضون الأعوام فيها، ويخالطون الأعراب ويؤاكلونهم ويشاربونهم، ويسمعون منهم ويدونون، يسمعون الرجل والمرأة والغلام يتحدثون في الإبل والمراعي والزواج والطلاق وجميع شئونهم، ويصغون إليهم، وينقلون عنهم؛ وقد كثر ذلك من العهد الأموي إلى العصر العباسي الأول إلى ما بعده، وروي عنهم من ذلك الشيء الكثير؛ فيقول الأصمعي: سمعت صبية «بحمى ضرية»

16

يتراجزون فوقفت وصدوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع فأقبل شيخ فقال: أتكتب كلام هؤلاء الأقزام الأدناع.

17

وقال أبو زيد: قلت لأعرابية بالعيون ابنة مائة سنة: مالك لا تأتين أهل الزققة؟ فقالت: إني أخزى أن أمشي في الزقاق؛ أي أستحي. وقال آخر: سمعت أعرابية تقول لابنتها: همي أصابعك في رأسي، أي حركي أصابعك فيه.

18

وهذا النحو من التلقي عن العرب قد يكون محدودا مضبوطا لا يحتمله شك، كما إذا أشار إلى شيء ونطقوا بلفظه، فأشاروا إلى إنسان وقالوا إنسان، وإلى يد وقالوا يد، وإلى عين وقالوا عين؛ وقد تدل عليه القرائن، فإذا سمع أحد قول الشاعر:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم

طاروا إليه زرافات ووحدانا

فهم أن زرافات بمعنى جماعات، وقد يكون غير محدود يدخل الشك في معناه، بل لا يفهمه العربي نفسه في دقة، فقد مر أن أعرابيا سمع كلمة «اليرندج» ففهم منها ومما أحاط بها أنه نسج ينسج، مع أنه جلد يصبغ. وسمع أعرابي «اليلب» فظنه أجود الحديد مع أنه الجلد

19

إلخ. وقال أبو حاتم: قلت لأم الهيثم ما الوغد؟ فقالت: الضعيف، فقلت: إنك قلت مرة الوغد العبد، فقالت: ومن أوغد منه؟ فإذا كان هذا الشأن في الأعراب أنفسهم، فما ظنك بالعالم اللغوي يقيم بينهم؟ لا شك أنه يخطئ أحيانا، ويقارب أحيانا، وهذا - من غير شك - سبب من أسباب ما نرى من اختلاف في تفسير الكلمات في كتب اللغة، فيقولون - مثلا - القيض: قشرة البيضة العليا اليابسة، وقيل هي التي خرج فرخها أو ماؤها كله، ويقولون: أرض بسيطة منبسطة مستوية، وقيل البسيطة الأرض، اسم لها؛ وقال أبوعبيد: البسيطة الأرض العريضة الواسعة، إلى كثير من أمثال ذلك، فهم يختلفون في تفسير الكلمات بحسب ما فهموا من الأعراب.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٦٢