صلى الله عليه وسلم
فقال: أرشدوا أخاكم؛ ورووا أن كاتبا لأبي موسى الأشعري كتب إلى عمر: «من أبو موسى» فكتب عمر إلى أبي موسى: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا؛ ورووا أن ابن عمر كان يضرب بنيه على اللحن. وسرى هذا اللحن إلى البادية، فقال الجاحظ: أول لحن سمع بالبادية هذا عصاتي، ولحن محمد بن سعد بن أبي وقاص لحنة، فقال حسن: إني لأجد حرارتها في حلقي؛ وكان الحجاج بن يوسف يلحن أحيانا وفشا اللحن في العصر العباسي أكثر مما كان لكثرة الاختلاط.
12
كل هذا حمل العلماء على وضع قواعد لحفظ العربية، فكان النحو وكان علم اللغة. •••
كما اتجه المحدثون إلى الحديث يجمعونه، والفقهاء إلى الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين يدونونها، اتجه قوم إلى اللغة يجمعونها، وكانت مهمتهم جمع الكلمات التي نطق بها العرب وتحديد معانيها، فرحل العلماء إلى البادية بمدادهم وصحفهم يسمعون ويكتبون، ورحل عرب البادية إلى الحضر ليؤخذ عنهم؛
13
ولكن يؤخذ على هؤلاء العلماء الذين رحلوا ورحل إليهم ودونوا اللغة أنهم اعتبروا اللغة العربية وحدة مع اختلاف القبائل ألفاظا وتراكيب ولهجة، فلم يرسم لنا الراحل من العلماء خطة سيره، وأي القبائل نزل بينها، وما هي الألفاظ واللهجات التي أخذها عنها، وما الألفاظ واللهجات التي أخذها عن القبيلة الأخرى؛ ولما رحل البدوي إلى المصر ماذا أخذ عنه من الألفاظ واللهجات؟ ومن أي قبيلة كان؟ نعم وردت شذرات من هذا القبيل، ولكنها قليلة جدا لا تكفينا لتفريق اللغة على القبائل.
لو فعلوا ذلك لاستفدنا فوائد كثيرة، فعرفنا كل ما يختص بالقبيلة من ألفاظها ولهجاتها، وعرفنا المترادفات ومنشأها، وعرفنا الألفاظ التي امتازت بها كل قبيلة، وعرفنا سببها إلخ، ولاستنتج الباحث من ذلك كله أشياء قيمة جدا؛ ولكنهم لم يفعلوا وساروا في جمعهم على نظرية وحدة اللغة العربية، بقطع النظر عن اختلاف القبائل.
قد تقول إن ما تطلبه ميسور، فلدينا الشعراء، وقد عرفنا قبائلهم معرفة صحيحة فنحن نعرف من من الشعراء من تميم، ومن من قريش، إلخ، فإذا جمعنا شعر الشعراء من قبيلة واحدة ودرسنا ألفاظهم ومعانيهم وتراكيبهم أمكننا أن نستنتج كل ما نريد. فأقول إن هذا صحيح إلى حد ما، ولكنه لا يكفي؛ لأن الشعر أحد المصادر، لا كلها، فهناك ألفاظ تنطق بها القبيلة ولا تدخل في شعر شعرائها، لأنها ليست من الألفاظ الشعرية، ويكاد يكون للشعر معجم خاص.
على أن هذا يسلمنا لمشكلة أخرى هي من أصعب المشاكل وأحوجها للنظر، وهي أن الشعر والأدب الذي ورد عن العرب يكاد يكون كله بلغة واحدة، فقد حدثونا عن عنعنة تميم (فتقول في أن عن)، وتلتلة بهراء فيقولون: (تعلمون وتصنعون بكسر التاء)، وكشكشة ربيعة فيقولون: (إنكش ورأيتكش مكان إنك ورأيتك)، وكسكسة هوازن فيقولون: (أعطيتكس ومنكس وعنكس مكان أعطيتك ومنك وعنك). وحدثونا أن لغة تلزم الأسماء الخمسة الألف فنقول: هذا أباه وأخاه، وحدثونا عن أشياء كثيرة من هذا القبيل اختلف فيها قبائل العرب ويستشهدون على كل ذلك بالبيت أو البيتين أو الثلاثة، فإذا نحن عدنا إلى ما روي عن هذه القبائل من شعر لم نجد لما حدثونا به أثرا، فنرجع إلى شعراء تميم فلا نجد عنعنة، وإلى شعراء ربيعة فلا نجد كشكشة وهكذا، فما علة ذلك وقد كان هذا في شعر الجاهليين والإسلاميين على السواء؟
قد يقال إن الرواة غيروا ما ورد ونطقوا به على وفاق اللغة الفصحى، ففتحوا - مثلا - ما ورد من التاءات المكسورة، وحوروا عن إلى أن، وقد ورد بالفعل روايتان لقول ذي الرمة:
أعن ترسمت من خرفاء منزلة - وأأن ترسمت، وقول ابن هومة: أعن تغنت على ساق مطوقة - وأأن تغنت.
ولكن ذلك لا يحل الإشكال، فهناك كلمات لو نطق بها الشاعر على وفاق لغته وأراد الراوي أن يحولها إلى اللغة الفصحى لاختل الوزن ككشكشة ربيعة وكسكسة هوازن، فلو قال الشاعر: إنكش، وحورها الراوي «إنك» لانكسر البيت؛ من أجل هذا ذهب بعض الباحثين المستشرقين إلى افتراض أن الشعراء كانت لهم لهجة ينظمون عليها شعرهم، ويتبعونها في نظمهم، مهما اختلفت قبائلهم، وأن الشاعر كان إذا تكلم كلاما عاديا تكلم بلسان قبيلته ولهجتها، فإذا نظم اتبع في نظمه الطريقة المشتركة، كما هو الشأن اليوم بين المتكلمين بالعربية من مصريين وشاميين وعراقيين وغيرهم، يتكلمون بلهجات مختلفة، ويتحدون في لغة الأدب ولغة الشعر، وهو فرض يحتاج إلى نظر، وربما يستأنس له بقول ابن جني في الخصائص: «فإذا اجتمع في لغة رجل واحد لغتان فصاعدا، فينبغي أن تتأمل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، كثرتها واحدة فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللفظتين؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها»