11
وكثيرا ما كانوا إذا عربوا كلمة حوروها إلى وزن من أوزانهم، كدينار معرب عن دينار يوس
denarius ، وقد يبقونها على وزنها من غير تغيير ولو لم يكن لها وزن. في لغتهم كخراسان وإبراهيم وآجر شطرنج وابريسم، وقد يدخلون عليها تغييرا، ومع هذا التغيير لا تتفق مع أوزانهم كشهنشاه معرب شاهان شاه.
وقد اختلف علماء العربية في ذلك فقال الجوهري: «التعريب أن تتكلم العرب بالكلمة على نهجها وأسلوبها»، وتبعه الحريري في ذلك، فقال في درة الغواص: إن فتح الشين من شطرنج خطأ والصواب كسرها لتصير على وزن قرطعب وجردحل، ويريان أنه إذا نطقت العرب بكلمة لا على وزن لغتهم كخراسان وآجر لم تكن عربية بل تبقى أعجمية.
أما سيبويه وجمهور أهل اللغة، فقد ذهبوا إلى أن التعريب أن تتكلم العرب بالكلمة الأعجمية مطلقا، ولو لم تكن على وزن كلماتها.
وكان العرب إذا حولوا كلمة إلى لغتهم أخضعوها لقوانين اللغة، فتتوارد عليها علامات الإعراب، وتعرف بأل وتضاف ويضاف إليها، وتثنى وتجمع، وتصرف ويشتق منها. فقالوا في زنديق: زندق وتزندق، وفي طراز: طرز تطريزا وهو مطرز ومطرز، ومن ديوان: ودون تدوينا، ومن نوروز: نورز، وفي لجام: ألجم وهو ملجم، والمصدر إلجام، وقالوا: درهمت الخبازي، أي صارت كالدراهم وقالوا: جنقونا بالمنجنيق.
واستمر المعربون على تعريبهم في العصر العباسي، وكان ذلك حتى في يد غير العرب، فابن المقفع في كليلة ودمنة عرب البازيار (مربى البزاة) وسرجين (الزبل) وفيج (رسول السلطان) وأساورة (جمع أسوار لمن يحسن الرمي).
والجاحظ عرب بعض كلمات أعجمية في كتبه كالكرابج (جمع كربج) وهو الحانوت؛ والنصارى النساطرة في تعريبهم استعملوا كلمات أعجمية من أسماء أمراض ونباتات وعلاج ونحوها.
وكان هذا سببا كبيرا من أسباب نمو اللغة العربية، يضاف إليه سبب آخر وهو تغير مدلول الكلمات، فالإسلام أدخل في اللغة معاني جديدة لكلمات كثيرة كمؤمن ومسلم، وصلاة وزكاة، وركوع وسجود، فمدلول هذه الكلمات في الجاهلية غيره في الإسلام، فالصلاة التي كان مدلولها الدعاء أصبح مدلولها الحركات والسكنات بأشكال خاصة، وكذلك الزكاة كان مدلولها النماء، فأصبح مدلولها إخراج المال في حال معينة وعلى نحو خاص وهكذا.
وجدت مذاهب مختلفة كمعتزلة ومرجئة وخوارج إلخ، لها معان خاصة، واستعملت كلمات استعمالات دارت مع الزمن كالحاجب، والديوان، والكاتب والوزير. قد كان يطلق الوزير - مثلا - على كل ناصر ومعين، فاستعمل في معنى خاص؛ وكانت كلمة الديوان تطلق على الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجند مثلا، ثم استعمل في المكان الذي يحفظ فيه، ثم استعملوه في مجموعة أبيات الشاعر، فقالوا: ديوان عمر بن أبي ربيعة وهكذا.
وكانت الأحداث سببا في استعمال كلمات في معان خاصة لم تكن تستعمل، فقد قال ابن دريد في الجمهرة: «ذكر بعض أهل اللغة أن كلمة الجائزة بمعنى العطية - والجمع جوائز - كلمة إسلامية، وأصلها أن أميرا من أمراء الجيوش واقف العدو، وبينه وبينهم نهر، فقال: من جاز هذا النهر فله كذا وكذا، فكان الرجل يعبر النهر فيأخذ مالا، فيقال: أخذ فلان جائزة؛ فسميت جوائز لذلك».
وجاءت العلوم فوضع لها العلماء مصطلحات خاصة، أخذوا أكثرها من كلمات عربية الأصل وحوروا مدلولها، فالعروض، والبحر الطويل، والبسيط، والمديد، والنحو، والفاعل، والمفعول، والمنطق، والقضية، والموضوع، والمحمول وأصول الفقه، والقياس، والاستحسان إلخ، كل هذه معان دخلت في اللغة ومعاجمها لم يكن للعرب الأولين بها علم.
وهكذا كان الإسلام والفتح وما تبعهما من حضارة سببا في انتشار اللغة وسعتها، ولكن هناك ناحية أخرى لا يصح إغفالها، وهو أن الإسلام والفتح والحضارة أنتجت أشياء لها خطرها؛ من ذلك أن جزيرة العرب أصبحت مرتادا للأعاجم، فحاضرة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين هي المدينة، ومقصد المسلمين كلهم في الحج مكة، فكان الناس من الأعاجم يأتون أفواجا للحج أحيانا، ولقضاء مصالحهم في حاضرة الخلافة أحيانا، وعرب الجزيرة بحكم الفتح قد ملكوا رقيقا كثيرا سكنوا مع سادتهم في الحجاز وغيره، فاختلط العجم بالعرب في البيوت وفي الأسواق وفي المناسك وفي المساجد؛ فتطرق من ذلك الخلل في لسان العرب، وكانوا يتكلمون العربية عن سليقة، فأخذ الفساد يدب في تلك السليقة وظهر اللحن؛ وكذلك كان حال الأمصار الأخرى، خالط عرب مصر القبط، وعرب الشام الشاميين، وعرب العراق الفرس والنبط وهكذا، فدب اللحن إليهم أيضا، وكان مما ساعد على هذا اللحن أن اللغة العربية لغة معربة، وهذا يجعلها من أصعب اللغات ويجعل الفساد يسرع إليها، وكان هذا اللحن قديما، حتى رووا أن رجلا لحن في حضرة النبي