تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

هذا وقد عدوا قريشا أفصح العرب، وقالوا: «أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة».

وقد شك بعضهم في هذا القول؛ لأن قريشا كانت تسكن مكة وما حولها وهم من أهل المدر، وقريش تجار، والتجارة تفسد اللغة، وكان هذا مما عيب على اليمن من ناحية لغتهم؛ ولأن رسول الله نشأ في بني سعد بن بكر بن هوازن واسترضع فيهم، فتعلم الفصاحة منهم، وأن كثيرا من غلمان قريش في عهد محمد

صلى الله عليه وسلم

كان يرسل إلى بني سعد لتعلم اللغة والفصاحة، ومن أجل هذا ظنوا أن هذا الرأي موضوع لإعلاء شأن قريش في اللغة؛ لأن رسول الله منهم.

9

والذي يظهر لي أن سلامة اللغة من دخول الدخيل فيها أمر غير الفصاحة، وأن سلامة اللغة كانت في بني سعد خيرا مما هي في قريش لأنهم أهل وبر، وأبعد عن التجارة وعن الاختلاط بالناس، وعلى العكس من ذلك قريش فهم أهل مدر، وكثير منهم كان يرحل إلى الشام ومصر وغيرهما ويتاجر مع أهلها، ويسمع لغتهم، فهم من ناحية سلامة اللغة ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم ممن خالط الأمم الأخرى، ولكنهم من ناحية الفصاحة فصحاء، وأعني بالفصاحة قوة التعبير عما في نفوسهم، وقد اشتهروا بذلك أيضا في الإسلام، يضاف إلى هذه الفصاحة ما حكي عنهم من رقة ألسنتهم، وحسن اختيارهم للألفاظ، فكانوا إذا أتتهم الوفود من العرب للأسواق أو للحج تخيروا من كلامهم وأشعارهم ولغاتهم، وربما كان أدق تعبير في هذا ما ذكره الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف، إذ قال: «كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس»

10

فإذا امتازت قريش بالفصاحة فقد امتازت بنو سعد بسلامة اللغة، وقد جمع للنبي

صلى الله عليه وسلم

الأمران، ففي الحديث: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر».

كانت جزيرة العرب قبل الإسلام قليلة الاتصال بمن حولها وبما حولها! وخاصة سكان أواسط الجزيرة، فلما جاء الإسلام وفتحت الفتوح، كان لذلك آثار في اللغة متعاكسة، فمن ناحية: انتشرت اللغة العربية في البلاد المفتوحة، في مصر والشام والعراق وفارس والسند، وأخذ أهل هذه الأمصار يتكلمون العربية شيئا فشيئا حتى غلبت ما عداها، فكسبت اللغة من المتكلمين بها أضعاف من كان يتكلم بها من عرب الجزيرة.

واستفادت أيضا أن كل مصر من هذه الأمصار غذى اللغة العربية بكلمات لم تكن تعرفها، فنباتات كل مصر وحيواناته وملابسه ونحو ذلك مما لم يكن للعرب به علم قد أخذه العرب وأدخلوه في لغتهم، وأخضعوه لأحكامها، نعم إن العرب قد لجأوا إلى التعريب حتى في الجاهلية، فاستعمل الأعشى كلمة: «شهنشاه» أي ملك الملوك، واستعمل امرؤ القيس: «السجنجل» وهي المرآة، وكان التجار منهم يجلبون الرياش والأثاث والثياب، وصنوف البقول، وأنواع الماعون، ويجلبون أسماءها معها.

وجاء القرآن فاستعمل كلمات معربة مثل: زنجبيل وسجل وسجين وسلسبيل إلخ. وجاء في الحديث بعض كلمات أجنبية عربت كذلك كقوله

صلى الله عليه وسلم : «فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسين» والأريس والأريس في لغة أهل الشام الأكار، وهو الفلاح أو الحارث. ولكن كثر ذلك بعد الإسلام والفتح، فأخذ العرب الفاتحون من الفرس أسماء نباتاتها وحيوانها، وماعونها إلخ؛ وفعلوا كذلك في العراق والشام ومصر، فمن الحيوان: جاموس وبط وبرذون وفيل إلخ، ومن النباتات: فلفل وكمثرى وخوخ وجوز ولوز ونرجس وورد وياسمين إلخ، ومن العقاقير: قرفة ومصطكا إلخ، ومن الطيب: مسك وعنبر وصندل، ومن اللباس قميص وسروال وكرباس وديباج وإبراسيم وخز، ومن المأكول: فالوذج وسميذ وسكر إلخ، ومن المعادن: رصاص وزئبق وجص إلخ، ومن الأحجار: زمرد وياقوت وفيروز إلخ، ومن الآلات والأدوات: منجنيق وبركار وقانون وناي وبربط وقمقم وطست وطبق وكوز وفنجان ولجام إلخ مما لا يعد ولا يحصى، وقد ألفت في ذلك الكتب الكثيرة، وعلماء اللغة العربية الذين دونوا اللغة لم يكونوا مهرة في اللغات المختلفة فعدوا كثيرا من الكلمات عربية الأصل مع أنها مشتقة من لغات كثيرة، كمنبر فإنها مأخوذة من الحبشية في الغالب من ومبر بمعنى كرسي أو مجلس، وعلماء اللغة يقولون إنها من نبر بمعنى ارتفع، وكالنفاق قالوا إنه من النافقاء، وفي الحبشة معناها البدعة في الدين، وكقبس فإنها خبس في اللغة الهيروغليفية بمعنى مصباح، وكنبي معناه في الهيروغليفية رئيس الأسرة.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥٩