تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الخلاف بين القبائل قد يعظم ويشتد، كالخلاف بين القبائل العدنانية في الحجاز والقحطانية في اليمن؛ فقد كانوا يختلفون في المفردات والتراكيب حتى قال أبو عمرو بن العلاء: «ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا». وقال ابن جني: «لسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابني نزار ... دخلت يوما على أبي علي رحمه الله فقال لي: أين أنت؟ أنا أطلبك، قلت: وما ذلك؟ قال: فما تقول فيما جاء عنهم (عن العرب) من حوربت

2 ؟ فخضنا معا فلم نحل بطائل منه، فقال: هو من لغة اليمن ومخالف للغة ابني نزار، فلا ينكر أن يجيء مخالفا لأمثلتهم»،

3

وقد يكون الاختلاف يسيرا كالخلاف بين قبيلتين متجاورتين من أصل واحد.

كان لهذا الخلاف نتائج: منها اختلاف القراءات في القرآن، فإنها تليت جسب اختلاف العرب لغاتهم ولهجاتهم. روي عن ابن عباس قال: «نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم عليها هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف»،

4

فقراءات القرآن يمكن دراستها من هذه الناحية؛ ناحية أنها تمثل بعض لغات قبائل العرب ولهجاتها.

وكان هذا الاختلاف أيضا أهم الأسباب في كثرة المترادفات في اللغة العربية، فإحدى القبائل تضع اسما لشيء، وتضع قبيلة أخرى اسما آخر، وقد وردت أدلة على ذلك فقالوا: - مثلا - إن السكر اسمه المبرت بلغة اليمن.

ولهذا كثرت المترادفات كثرة غريبة، فقالوا: إن للعسل ثمانين اسما، وللسيف خمسين اسما، حتى ألف صاحب القاموس كتابا سماه «الروض المسلوف، فيما له اسمان إلى ألوف»،

5

وكان لكثرة هذه المترادفات فوائد ومضار؛ فقد مكنت الشعراء من أن ينظموا عليها قصائدهم الطويلة مع التزام الروي والقافية، وما كان ذلك يسهل لولا المترادفات؛ كما أنها كانت أداة جيدة لبلاغة الكتاب وفصاحة الفصحاء، فقد استطاعوا أن يتخيروا من الألفاظ المترادفة ما يناسب السجع أحيانا والترصيع أحيانا، كما استطاعوا أن يتخيروا أقوى الكلمات لأقوى المواقف، وألين الكلمات لألين المواقف وهكذا؛ ولكنها من ناحية أخرى ضخمت اللغة ضخامة فوق الحد، وجعلت الإلمام بها مستحيلا، وحتى زحمت المترادفات الكثيرة المكان الذي نحتاجه لمعان ومدلولات لا نجد لها كلمة واحدة؛ وقد كان لكل قبيلة عذرها، فليس لها للدلالة على الشيء الواحد إلا كلمة أو كلمتان تؤدي بها أغراضها، فلما جاء الجامعون للغة جمعوا كل الكلمات لكل القبائل أو أكثرها وقدموا إلينا لاستعمالها، وفي التضخم ضرر كالهزال. •••

لم تكن هذه القبائل العربية في درجة واحدة من الفصاحة، فقد اشتهر بعضها بأنه أفصح من بعض، ولم تكن في درجة واحدة من السلامة، فقد سلمت بعض القبائل وحافظت على عربيتها لبعد مكانها عن الاختلاط والفساد؛ ولذلك لما جاء العلماء يروون اللغة تحروا، وفضلوا بعضا على بعض، فاستبعدوا لغة حمير؛ لأنها تكاد تكون لغة وحدها مخالفة للغة مضر، ولأنهم خالطوا الحبشة وخالطوا اليهود وخالطوا الفرس فتأشبت لغتهم، ولم يأخذوا عن القبائل التي كانت تسكن التخوم لمجاورتهم لمصر والشام وفارس والهند؛ ولهذا لم يأخذوا عن لخم وجذام وقضاعة وغسان وتغلب، ولم يأخذوا عن بني حنيفة وسكان اليمامة وثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولم يأخذوا عن الحضريين لفساد لغتهم.

وقالوا: «إن الذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم أقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد ثم هذيل، وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم»،

6

وقال أبو عمرو بن العلاء: «أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم».

7

والسبب في هذا ما ذكرت من أنهم كانوا يختارون من العرب ما بقوا على عربيتهم، ولم يفسدها اختلاطهم بغيرهم، وقد عقد ابن جني بابا «في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر» وقال: «إن علة ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يتعرض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر، وكذلك لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاص عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، وترك تلقي ما يرد عنها».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥٨