والذي يستعرض هذه الآراء يرى أن دائرة الحرية التي كان يسبح فيها مذهب أبي حنيفة أخذت في الضيق، حتى أن تلاميذه أنفسهم كأبي يوسف ومحمد كانا من عوامل هذا التضييق؛ فقد أخذا من مدرسة الحجاز حديثا كثيرا عدلا به مذهب أبي حنيفة وخالفا به شيخهما، ولئن أثر مذهب أبي حنيفة في المذاهب الأخرى من ناحية الرأي والقياس، فقد كان تأثير مدرسة الحديث في مذهب أبي حنيفة أقوى وأكثر. ولو فكر مفكر في ذلك العصر ربما توقع غلبة مذهب أبي حنيفة وسيادته على مذهب الحديث لتأييد الحكومة العباسية له بعض الشيء، ولغلبة مذهب الاعتزال نحو خمسين عاما ختمت ببدء خلافة المتوكل، ومذهب الاعتزال هو القائل بالتحسين والتقبيح العقليين، ولظهور الفلسفة في العراق وهي أدعى إلى الحرية الفكرية، ولكن مع كل هذا كانت الغلبة في الفقه لمدرسة الحديث، والسبب في هذا - على ما يظهر - أن قوة المحدثين كانت أكبر وجمهور المسلمين كان لهم أنصر، وأن حركة الاعتزال وحركة الفلسفة كانتا حركتين أرستقراطيتين يعتنقهما في الغالب أرستقراطية الشعب لا جمهوره؛ ولذلك هوجم القول بخلق القرآن الذي قال به المعتزلة هجوما عنيفا من الشعب، ورفع جمهور الناس الذين يقفون في وجهه ويتحرجون من القول به ويتحملون العذاب في سبيله إلى درجة عليا إلى أن قضى عليه، وكذلك هوجمت الفلسفة من الشعب، ولم ينفع كثيرا تأييد الحكومة العباسية مذهب أبي حنيفة بعض الشيء؛ لأن أكبر هذا التأييد مصدره وجود أبي يوسف على رأس القضاة، وأبو يوسف نفسه كما رأينا كان من عوامل إدخال الحديث الكثير في فقه أبي حنيفة وتعديله. لهذا كله ضاقت دائرة الرأي والقياس واتسعت دائرة الحديث، يضاف إلى ذلك أيضا أن المحدثين قد نشطوا نشاطا كثيرا في هذا العصر، فجمعوا الأحاديث المتفرقة في الأمصار المختلفة صحيحها وضعيفها، وكثير من هذه الأحاديث تتعلق بالأحكام؛ فاضطر الفقهاء أمام هذه الأحاديث وأمام قوة المحدثين أن يخضعوا أنفسهم للحديث، ولهذا نرى كتب الفقه حتى كتب الحنفية تستدل على أكثر الأحكام بالحديث، وإن كان بعضها ضعيفا، ونرى أن الفروق بين المدارس المختلفة قلت، فلم تعد بين تلاميذ أبي حنيفة والشافعي ومالك فروق كالتي كانت بين مالك وأبي حنيفة أنفسهما، حتى ليظن الظان لأول وهلة أن منحى التشريع عند الجمهور واحد، ولم يكن ذلك صحيحا عند تأسيس هذه المدارس، وإنما أظهره بهذا المظهر شيء واحد: هو «غلبة رجال الحديث».
الفصل السادس
| اللغة والأدب والنحو
كان العرب يسكنون الجزيرة وما حولها، وكانوا - كما أسلفنا - يعيشون قبائل، وكانت هذه القبائل تختلف في لغتها.
وهذا الخلاف قد يكون خلاف كلمات، فقبيلة تستعمل البر، وقبيلة تستعمل القمح، وحمير تستعمل كلمة «القيل» لما يستعمل فيه العدنانيون «الملك» وهكذا.
وقد تكون الكلمة واحدة ولكن القبائل تستعملها في معان مختلفة، كمادة الوثب، فالحجازيون يستعملونها في معنى ظفر واليمانيون يستعملونها استعمالا مضادا فيقولون ثب أي اقعد، ومن ذلك ما روي عن «موألة» أن عامر بن الطفيل قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فوثبه وسادة، يريد فرشها له وأجلسه عليها، والوثاب الفراش بلغة حمير، وهم يسمون الملك موثبان - يريدون أنه يطيل الجلوس، ولا يغزو - ويروون أن حجازيا خاطبه ملك حميري بثيب فقفز، وإنما كان يريد الملك اقعد، فقال الملك إذ ذاك: «من دخل ظفار حمر»؛ وظفار مدينة يمنية، أي من دخل ظفار فليتعلم الحميرية».
1
وقد يكون الاختلاف في الحركات، فبعض القبائل كقريش تفتح حرف المضارعة فيقولون: «نستعين» وبعضها كأسد تكسرها، فتقول: نستعين.
وكذلك هناك أنواع عديدة من الاختلافات، فبعض القبائل تقول: أولئك وبعضها تقول ألالك؛ وبعضهم يقول: استحييت، وبعضهم يقول: استحيت وبعضهم يقول: مستهزئون، وبعضهم يقول: مستهزون؛ وبعضهم يميل في قضى ورمى ونحوهما، وبعضهم لا يميل؛ وبعضهم يقولون: ما زيد قائم، وبعضهم ما زيد قائما؛ وبعضهم يقولون: هلموا إلينا، وبعضهم يقول للجمع والمفرد والمثنى هلم إلينا؛ وبعضهم يقول: «صاعقة»، وبعضهم يقول فيها: «صاقعة»؛ وبعضهم يقول: هذه البقر وهذه النخل، وبعضهم يقول: هذا البقر وهذا النخل. إلى كثير من أمثال ذلك.