تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

113

مع أن هذا أيضا ينطبق عليه أنه بيع الإنسان ما ليس عنده، وهو ما نهي عنه؛ لأن الثمار التي تتلاحق ليست موجودة كلها، فخصصوا النص أيضا بالعرف. وأفتوا فيما يدخل في المبيع تبعا وما لا يدخل بعرف كل بلد، فقالوا إن السلم المنفصل يدخل في بعيد البيت في القاهرة لأن بيوتهم طبقات لا ينتفع بها إلا به، ولا يدخل البلاد التي بيوتها طبقة واحدة إلخ.

وقد كان لكل أمة عرف وعادات في بيعها وشرائها وفي لغتها، ودلالة ألفاظها على معانيها، وفي الزواج وما يكون جهازا وما لا يكون، وفي الأراضي هل يدفع العشر المؤجر أو المستأجر إلخ، وكل هذه العادات عرضت على الأئمة فأدخلوها في الفقه وكانت من أكبر مصادره، لأن كثيرا من عادات الأمم لم تعرف في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

فلم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة، ورجوع الناس عن عاداتهم التي جروا عليها أجيالا ليس بالأمر الهين؛ لذلك أجاز الفقهاء الكثير منها وأقروها وعدوها إسلامية، وكان هذا سببا من أسباب تضخم الفقه. (2)

كان المسلمون قبل هذا العصر، وفي أول العصر لا ينحازون إلى مذاهب، بل المسلم أحد رجلين، أما عالم مجتهد فهو يدرس ويجتهد لنفسه في تعرف الأحكام ويعلم ذلك لتلاميذه، وأما عامي أو شبه عامي إذا عرضت له مسالة استفتى فيها من صادفه من المجتهدين كائنا من كان فيعمل بما يفتيه، والمجتهدون كثيرون مختلفون، فلما تقدم الزمن في العصر العباسي رأينا المذاهب تتبلور، ولكنها مع تبلورها كثيرة، اشتهر منها ثلاثة عشر مذهبا أو يزيد، ورأينا الكتب توضع في كل مذهب، ورأينا الناس ينحازون إلى هذه المذاهب، ثم رأينا بعض المذاهب يقدر لها الانقراض فيفنى أصحابها، أو يقل أتباعها، وبعضها يقدر له البقاء والنماء، حتى يصبح بعد عصرنا هذا والمذاهب أربعة فقط حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي، هذا عدا الشيعة والخوارج، وإذا بالناس ينحازون إلى هذه المذاهب لا إلى غيرها، وتنقسم البلاد هذه المذاهب، فيسود كل مذهب قطرا، وتقل بجانبه المذاهب الأخرى (كما سيأتي بيانه في حينه)، وإذا عرض لعامي أمر استفتى فيه علماء مذهبه غالبا، وتعبد عليه في الصلاة والزكاة والصيام والحج، وسار في الزواج والطلاق على مذهب إمامه. (3)

إذا تتبعنا ما كان بين مدرسة الرأي ومدرسة القياس، ونظرنا إلى الفقهاء من حيث مقدار حريتهم في الرأي، وأردنا أن نضع لهم قائمة تبين درجتهم في ذلك، وجدنا أن أول القائمة طائفة رأت عدم العمل بالحديث والاكتفاء بالقرآن، قالوا: لأنكم تروون الحديث عن رجل آخر، وليس أحد إلا وهو عرضة للخطأ أو النسيان، فلسنا نقبل منها شيئا إذ كانت عرضة للوهم، ولا نقبل إلا كتاب الله الذي لا يسع أحدا الشك في حرف منه،

114

وقد حكى الشافعي في الأم عنهم أنهم انقسموا قسمين، قسم قالوا: ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض، وقسم قالوا: يقبل الحديث إذا كان فيه قرآن.

115

ومثل هؤلاء القوم يصح أن يوضعوا في أعلى قائمة الحرية إذا كان مذهبهم أن نلتزم فقط ما جاء في القرآن، أما ما عداه فنعمل فيه بالرأي والعدالة، وهذا هو الأقرب من قولهم، كما يصح أن يوضعوا في أسفل القائمة حتى بعد الظاهرية إن قالوا لا نعمل إلا بما ورد في كتاب الله، ومما يؤسف له أنا لم نجد نصا صريحا يعين اتجاه مذهبهم فإن كانوا قد ذهبوا إلى الاتجاه الأول كانوا - من غير شك - أكثر الفقهاء حرية لأنهم لا يلتزمون إلا ما ورد في الكتاب من أحكام ، أما ما عدا ذلك فهم أحرار في استعمال الرأي فيه؛ كما أنه مما يؤسف له أنا لا نعلم لذلك زعيما دعا إلى هذا الرأي ووضع له قواعده وأصوله وفرع عليه، بل لم يسم الشافعي في الأم اسم من ذهب هذا المذهب.

يلي هؤلاء - إن كان مذهبهم كما فسرنا - مذهب أبي حنيفة؛ فقد قيد الحديث الذي يعمل به وضيق دائرته ووسع القياس، ثم الشافعي فقد وسع الحديث وقلل دائرة القياس، ثم مالك فلم يتوسع في القياس كما توسع الشافعي، ثم أحمد بن حنبل فقد أبى استعمال القياس إلا عند الضرورة القصوى، وفضل عليه الحديث الضعيف، ثم داود الظاهري فقد أنكر القياس إلا ما نص فيه على العلة.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥٦