وبعد، فنستطيع بعد هذا الاستعراض للتشريع ومناحيه المختلفة أن نسجل النتائج الآتية: (1)
كان هذا العصر الذي نؤرخه أكثر عصور الإسلام نشاطا في التشريع وأكثر عددا من الفقهاء المجتهدين، كل ما كان فيه من وئام وخصام سبب صهر المسائل الفقهية، والجد في تجريدها وتصفيتها، وكان العلماء أحرارا ولا تحجر على حريتهم في الاجتهاد والتفكير ما داموا بعيدين عن مسائل الخلافة وما إليها، فلهم أن يجتهدوا في غيرها ما شاءوا، ولهم أن يستنتجوا الأحكام من الكتاب والسنة أو القياس ما شاءوا، لا تتعرض ل من وسع على نفسه فاستعمل الرأي إلى غاية مداه، كما لا تتعرض ل من ضيق على نفسه فالتزم الأحكام من الكتاب والسنة وحدهما؛ ولم تلتزم الحكومة قانونا بعينه تفرضه على الدولة كلها، ولا مذهبا معينا تفرضه على الأمصار فرضا، بل اختارت القضاة من مناح مختلفة في الاجتهاد، وتركت لهم الحرية في الأحكام على حسب اجتهادهم، فربما حكم في المسألة بحكمين مختلفين في مصرين مختلفين، بل ربما حكم بحكمين مختلفين في بلد واحد إذا كان لهما قاضيان، كما ذكر ابن المقفع، ولم تتدخل الحكومة في حسم الخلاف وتوحيد القضاء ولا في عاصمتها نفسها، وأما من عدا القضاة من الفقهاء المجتهدين فحريتهم في التشريع أظهر.
وكما كثر الفقهاء والمشرعون وكثر اجتهادهم، كثرت المسائل القانونية، وأحكام الجزئيات كثرة لا يقاس بها ما كانت عليه قبل هذا العصر، ففرعت الفروع، وفرضت الفروض، ووضع لها الأحكام، وعرضت كل العادات والتقاليد والعرف في الأمصار المختلفة في عراق وحجاز وشام ومصر على الفقه، وواجهها الفقهاء وشرعوا لها الأحكام، أو أقروها على ما هي عليه إذا لم تصطدم بنص، وتوسعوا في بابي الإجماع والقياس، حتى دخلت منهما العادات العراقية والشامية والمصرية، وأقرت على ما هي عليه أحيانا، وعدلت إذا خالفت أصول الإسلام وأصبحت جزءا من الفقه الإسلامي.
ذلك بأنهم جعلوا العرف أساسا من أسس التشريع، واستندوا في ذلك على حديث «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»،
111
وجاء في المبسوط: «الثابت بالعرف كالثابت بالنص». وقسموا العرف إلى قسمين: عرف عملي كتعارف قوم صرف الفضة بالفضة، وعرف قولي كتعارفهم إطلاق لفظ على معنى بحيث لا يتبادر عند سماعه غيره، وكلا المعنيين أخذ به الفقهاء، فأجازوا كثيرا من المعاملات لجريان العرف بها، وحملوا في كثير من الأحيان ألفاظ الوقف والطلاق والأيمان على ما جرى العرف في تفسيرها؛ فدخل الفقه من هذا الباب كثير من العادات المستعملة في الأمصار. مثال ذلك «الاستصناع» وهو أن يقول شخص لرجل من أهل الصنائع اصنع لي الشيء الفلاني، ويصفه، بثمن قدره كذا، فقد أجازه الحنفية لجريان العرف به مع ورود النص في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، فخصصوا النص بالعرف، وأجاز مشايخ بلخ أن يدفع الرجل للحائك غزلا على أن ينسجه بالثلث، وقالوا إن هذه إجارة صحيحة لتعامل أهل بلدهم بها «والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر»،
112
إلى كثير من أمثال ذلك، وقد اشترطوا في المجتهد معرفة عادات الناس «لأن كثيرا من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير العرف» ومن ذلك ما روى الكردري في المناقب أن محمد بن الحسن «كان يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملتهم وما يديرونها فيما بينهم». وكتب الفقه مملوءة بمسائل الخلاف بين الأئمة مما كان سببه اختلاف العرف في أمصار الأئمة أو زمانهم؛ وكل الذي أريد أن أذكره هنا أنه من هذا الطريق - طريق العرف والعادات - دخل كثير من عادات الأمم ودون في الفقه، وكان أئمة كل مصر يستعرضون ما عندهم من عادات فيعرضونها على قواعد الإسلام فما لم يخالف منها نصا صريحا أجازوه، بل أحيانا يجيزونه ويخصصون النص كما رأيت. ومن أمثلة ذلك أيضا إجازة بعضهم بيع ثمار البستان إذا كان بعضها قد خرج وبعضها لم يخرج؛ لأن العرف جرى بذلك، وقال شمس الأئمة: «أستحسن ذلك لتعامل الناس، فإنهم تعاملوا بيع ثمار الكرم بهذه الصفة، ولهم في ذلك عادة ظاهرة، وفي نزع الناس من عاداتهم حرج»،