ويطول بنا القول على هذا النمط في ترجمة أصحاب المذاهب الثلاثة عشر الذين عددناهم قبل، ويحتاج ذلك إلى كتاب مستقل، فنكتفي بهؤلاء الذين ذكرنا إذ كانوا يمثلون المناحي المختلفة في التشريع، ولكن لا بأس من أن نلم إلماما خفيفا ببعض من كان لهم أثر كبير أو لون مختلف في الفقه فمنهم
أحمد بن حنبل:
وهو أحمد بن محمد بن حنبل؛ عربي الأصل من شيبان وأصله من مرو، ولد ونشأ ببغداد سنة 164، ورحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام واليمن والجزيرة في جمع الحديث؛ وقد صحب الشافعي وأخذ عنه، والشافعية يعدونه شافعيا، ولكنه في الواقع يستقل عنه. وقد امتحن في مسألة خلق القرآن فضرب وحبس، وظل على قوله بأن القرآن غير مخلوق، وصبر على ما لحقه من أذى، فكان ذلك مما زاده رفعة في نظر الناس، وكان ضربه وجبسه سنة 220 في خلافة الواثق، فلما جاء المتوكل أفرج عنه لما ألغي القول بخلق القرآن كما سيجيء الكلام في هذه المسألة تفصيلا إن شاء الله، وتوفي بغداد سنة 241.
ولا خلاف في عده من كبار المحدثين، ولكن الخلاف في عده من الفقهاء؛ فابن جرير الطبري لم يعد مذهبه في الخلاف بين الفقهاء، وكان يقول إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وثارت عليه الحنابلة من أجل ذلك، ولم يذكره ابن قتيبة في كتابه «المعارف» بين الفقهاء، وذكره المقدسي في المحدثين لا في الفقهاء، واقتصر ابن عبد البر في كتابه الانتقاء على الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة ومالك والشافعي، وخالفهم في ذلك غيرهم وخاصة المتأخرين.
والواقع أن فقهه أكثر ما يبنى على الحديث، فإذا وجد حديثا صحيحا لم يلتفت إلى غيره، وإذا وجد فتوى من الصحابة عمل بها، وإذا وجد فتاوى لهم تخير أقربها إلى الكتاب والسنة، وأحيانا يختلف الصحابة في المسألة على قولين، فيروى عن ابن حنبل في المسألة روايتان، وإذا وجد حديثا مرسلا أو ضعيفا رجحه على القياس، ولا يستعمل القياس إلا عند الضرورة القصوى، ويكره الفتوى في مسالة ليس فيها أثر،
110
ولم يضع ابن حنبل كتبا في الفقه على نمط خاص به، وكل ما روي له في الفقه مسائل سئل عنها فأفتى فيها، وإنما رتب المذهب وبوبه ودونه أتباعه.
فإن نحن نظرنا من ناحية النظريات القانونية ونظمها ورقيها، وجدنا ابن حنبل أكبر أثرا في الحديث منه في الفقه.
وممن له لون خاص في التشريع داود بن علي الأصبهاني، المعروف بداود الظاهري؛ ولد بالكوفة نحو سنة 200، ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة 270، درس مذهب الشافعي وتعصب له وألضف في مناقبه، ثم استقل بمذهب يعرف بمذهب الظاهرية، وتبعه كثير من الناس خصوصا في فارس والأندلس.
وموقفه في الفقه موقف النقيض من الحنفية، ينكر القياس، ويرى أن في القرآن والحديث وعموماتهما ما يكفي لبيان الأحكام؛ فهو يتمسك بظاهر الكتاب والسنة، ومن هذا اشتق اسم الظاهرية، ويرى أن القول بالقياس تشريع عقلي، والدين إلهي، ولو كان الدين بالعقل لجرت أحكام على خلاف ما أتى به الكتاب والسنة، فوجب أن تتقيد بهما بل بظاهرهما ولا نبيح القياس إذا ورد نص بتحريم أو تحليل وبين فيه علته، فحينئذ يجوز لنا أن نشرك في الحكم الأشياء التي لم ينص عليها ولكن تتحد في العلة؛ أما إذا لم ينص على العلة، فليس للمجتهد أن يقول بها من عنده ثم يقيس عليها، فالله تعالى يقول:
وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله
ولم يقل إلى الرأي والقياس. وقد هاجم القياسيين، وبين ما ألجأهم إليه القياس من خطأ في الأحكام، وأداء هذا المنحى إلى مخالفة المذاهب الأخرى في كثير من المسائل.
وعلى الجملة فقد كان مجال التشريع عندهم أضيق من غيرهم؛ لأن أكبر منحى للاجتهاد هو القياس وقد أنكروه.
كذلك مما لا يسعنا إغفاله ما للشيعة والخوارج من فقه، وسنتكلم في فقههما عند الكلام في عقائدهما إن شاء الله. •••