تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

99

ثم هو في الكتاب محدث يكثر من الاستدلالات بالحديث، وهو قياس يكثر من استعمال القياس، فيقول: «وبهذا نأخذ وهو قول الأكثر من أهل الحجاز والأكثر من أهل الآثار بالبلدان»،

100

ويقول: «وقلنا في الكلب بما أمر به رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وكان الخنزير إن لم يكن في شر من حاله لم يكن في خير منها، فقلنا به قياسا عليه»،

101

إلى كثير من أمثال ذلك.

ثم هو متأثر بالمصرية أحيانا فإذا أراد أن يمثل بصيغة لوقفية مثل لذلك بوقف بيت المال في الفسطاط من مصر،

102

ويتكلم في الطين الذي يعرف بالطين الأرمني والطين الذي يقال له طين البحيرة، وهما مما يدخلان في الأدوية، ويقارن بين الطين الأرمني وطين رآه في الحجاز،

103

ويتكلم في القراطيس (وهي مصرية) ويبين متى يجوز أن تسلف ومتى لا يجوز،

104

ويتكلم في شهادة الشعراء، ومن يجوز شهادته منهم ومن لا يجوز، فيستملي فيما يظهر من حال الشعراء في مصر

105

إلى أمثال ذلك.

وعلى الجملة فالكتاب ثروة كبيرة من حيث دلالته على مناحي الشافعي في الاجتهاد، وعلى فقهه وعلى ما كان من أثر مصر في القول بالمذهب الجديد.. إلخ. •••

وكان للشافعي أصحاب أخذوا عنه وتتلمذوا له، وحفظوا مذهبه، ونشروه، بعضهم في العراق وبعضهم في مصر؛ ومن أشهرهم في مصر البويطي والمزني والربيع المرادي. فالبويطي هو يوسف بن يحيى، والبويطي نسبة إلى بويط قرية من قرى صعيد مصر،

106

وكان أكبر أصحاب الشافعي وأعلمهم، وقد خلف الشافعي في رياسة حلقته، وكان في حياته يفتي على مذهبه وتتلمذ له كثيرون نشروا مذهب الشافعي، وألف كتابه المختصر اختصر فيه كلام الشافعي.

قال ابن عبد البر: «وكان ابن أبي الليث الحنفي قاضي مصر يحسده ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن في من أخرج من أهل مصر إلى بغداد، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد وحبس فلم يجب إلى مادعي إليه في القرآن، وقال هو كلام الله غير مخلوق، وحبس ومات في السجن يوم الجمعة قبل الصلاة سنة 231».

107

وأما المزني فهو إسماعيل بن يحيى، كان أقدر أصحاب الشافعي على المناظرة والجدل والغوص على المعاني الدقيقة، وقد كان يخالف الشافعي في بعض أقواله، فيقول بعد أن يحكي كلام الشافعي في مسألة: «ليس هذا عندي بشيء».

108

ويظهر أنه امتحن في مسألة خلق القرآن فقال كلاما نجا به من الاضطهاد، فشنع عليه أعداؤه من المصريين حتى قل الناس في حلقته، ثم زال ما في نفوسهم منه وعظمت حلقته حتى أخذت أكثر الجامع، وهو أكثر من دون فقه الشافعي، وألف فيه الكتب الكثيرة، منها المختصر المطبوع على هامش الأم، وانتشرت كتبه ومختصراته في الأقطار فخدمت مذهب الشافعي، مات سنة 264.

وأما الربيع المرادي مولى قبيلة مراد، فكان مؤذنا بمجسد عمرو بالفسطاط، وربما كان أبطأ تلاميذ الشافعي فهما، وقيل كانت فيه سلامة صدر وغفلة

109

ولكنه ثقة صادق فيما يرويه، حتى لو تعارضت روايته مع رواية المزني فأصحاب الشافعي يقدمون روايته، وقد حمل عن الشافعي الكثير من علمه، والنسخة المطبوعة من الأم روايته، مات 270.

وعلى الجملة فقد كان البويطي أفقه ، والمزني أفصح وأمهر وأذكى، والمرادي أروى ولكل فضل.

ومما يلاحظ أن أصحاب الشافعي لم يكونوا يخالفونه كثيرا، كما كان أصحاب أبي حنيفة يخالفونه، فالمسائل التي خالف فيها أصحاب الشافعي إمامهم تكاد تكون معدودة وكثير منها تخرج على أصوله، وهذا بخلاف أصحاب أبي حنيفة، فقد خالفه أبو يوسف ومحمد وزفر في الأصول والفروع، وهذا يرجع - فيما أرى - إلى سببين: الأول أن مذهب أبي حنيفة لم يقيده أبو حنيفة، وإنما قيده ورتبه أصحابه، وله العذر في ذلك فقد أزهر أبو حنيفة قبيل عصر التدوين، وكان السابق والمبتكر في صبغ الفقه صبغته الجديدة، وترك لتلاميذه تدوينه، وهذا يجعل أصحابه في حل المخالفة عند مقارنة المسائل بعضها ببعض، وتطبيقها على الأصول، والسبب الثاني أن مذهب أبي حنيفة - كما علمنا - أميل إلى الرأي من مذهب الشافعي، والرأي يمنح أصحابه حرية لا تكون لأصحاب الحديث ومن نحا منحاهم ومن قرب منهم. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥٣