96
وكتب فصلا في إبطال الاستحسان،
97
فيظهر أن كثيرا من المسائل الفرعية كانت تعرض له فتثير في ذهنه أصولا متفرقة يفكر فيها ويطيل التفكير، ثم يضع لها القواعد، ثم جرد هذه القواعد وأكملها ورتبها وأخرجها في كتابه الرسالة؛ وله الفضل خاصة في تنظيم الإجماع والعمل به وما يصلح منه وما لا يصلح، وتنظيم القياس الذي جرى عليه الحنفية، ووضع قواعد له، وتقسيمه أقساما وتوضيح علله وبيان ما يجوز منه وما لا يجوز.
وقد خطا بكتابه خطوات في الفقه من حيث وضع القواعد للمجتهد وإلزامه الأخذ بها أو بنظائرها، حتى لا يأتي اجتهاده متناقضا، يوما يستدل بالعام ويوما يقول إن دلالته ظنية، ويوما يستدل بالخاص ويوما يقول يحتمل أنه خصوصية إلخ، ولا يخفى ما يترتب على وضع هذه المبادئ من انتظام سير الفقه وتوحيد مجاريه، وعدم الاضطراب في التفريع.
الأم:
هو أكبر أثر للشافعي بين أيدينا، وقد ثار الخلاف حديثا في مصر هل الأم كتاب ألفه الشافعي أو ألفه البويطي؟ وأظن أنه لو حدد موضع النزاع في دقة لكان الأمر أسهل حلا، فليس يستطيع أحد أن يقول إن ما بين دفتي الكتاب الذي بين أيدينا هو من تأليف الشافعي، وأنه عكف على كتابته وتأليفه في هذا الوضع النهائي، وأهم دليل على ذلك أن مطلع كثير من الفصول العبارة الآتية: «أخبرنا الربيع قال قال الشافعي»، وهي عبارة لا يمكن أن يكتبها الشافعي وهو يؤلف الكتاب، وفي ثنايا الكتاب نجد أخبارا بعدول الشافعي عن هذا الرأي كأن يجيء في سير الكلام: «قال الربيع قد رجع الشافعي عن خيار الرؤية وقال لا يجوز خيار الرؤية»؛
98
ومحال أن تصدر من الشافعي هذه العبارة وأمثالها؛ كما لا يستطيع أحد أن ينكر أن في الأم مذهب الشافعي بقوله وعبارته، فالظاهر أنها أمال أملاها الشافعي في حلقته كتبها عنه تلاميذه وأدخلوا عليها تعليقات من عندهم، واختلف روايتهم بعض الاختلاف، والذي بين أيدينا منها رواية الربيع المرادي عن الشافعي.
على كل حال بين أيدينا مجموعة في سبعة أجزاء أغلبها من كلام الشافعي رواها عنه تلميذه وأدخل فيها بعض تعليقات أفردها وبينها حتى لا تلتبس بكلام الشافعي، ومجموع ذلك هو الذي أطلق عليه «كتاب الأم»؛ وقد بوب على أبواب الفقه كما فعل مالك في الموطأ، ولكن فيه فصول في أصول الفقه كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وقد أمليت هذه الأبواب في مصر، والعلماء يقسمون فقه الشافعي إلى مذهبين: قديم وجديد. فأما القديم فهو ما كتبه وقال به في العراق، وأما الجديد فهو ما كتبه وقال به في مصر؛ ذلك أنه لما جاء مصر عدل عن بعض أقواله له كان قالها من قبل، وسببه أنه خالط علماء مصر، وسمع ما صح عندهم من حديث وسمع تلاميذ الليث بن سعد ينقلون عنه آراءه وفقهه، ورأى بعض حالات اجتماعية تخالف تلك التي رآها في الحجاز والعراق؛ فغير ذلك من فقه الشافعي في بعض أقواله، وأطلق عليه المذهب الجديد.
وفي «الأم» مصداق لجميع ما ذكرنا عن الشافعي، فهو فيه فصيح العبارة، قوي الأداء ، تشوب عبارته بلاغة البادية وفصاحتها، وقوة القرشية وإيجازها، أخذ عليه بعض المتعقبين له أشياء عدوها غلطا كقوله: ماء عذب، وماء مالح بدل ملح، وقول: الطهور هو المطهر، مع أن الطهور هو الطاهر على سبيل المبالغة، وقوله: وليست الأذنان من الوجه فيغسلان بدل فيغسلا، إلى أمثال ذلك؛ وهي في الحقيقة ليست أخطاء بل أجازها اللغويون والنحويون. وعلى كل حال فليس يستطيع أن ينكر أحد ما في عبارة الشافعي من دقة وقوة وبلاغة.
وفي الكتاب تظهر قوة الشافعي في الجدل، فأسلوب الكتاب كله تقريبا أسلوب جدلي، حتى ليفترض مجادلا يجادله فيرد عليه، ثم يعترض فيجيب: فإن قال قائل كذا رددنا عليه بكذا، «قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا في الكلام، قلت: فالذي ذهبت إليه محال، لا يجوز في اللسان. قال: وما إحالته وكيف لا يحتمله اللسان؟ قلت إلخ»، وهكذا يسير في كثير من المواضع على هذا الحوار السقراطي، مما كان متأثرا فيه بنمط العراقيين وحجاجهم وإكثارهم من «أرأيت».