تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

92

آثار الشافعي:

من أهم ما وصل إلينا من عمل الشافعي رسالته في أصول الفقه، رواها عنه تلميذه المصري الربيع بن سليمان المرادي، وقد تكلم فيها فيما يحتاج إليه المجتهد إزاء القرآن من العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وتكلم في موقف المجتهد من الحديث، وناسخه ومنسوخه، وما كان فيه من اختلاف وما يقبل منه وما لا يقبل، ثم تكلم في الإجماع، وإن «من قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم»، ثم تكلم في إثبات القياس والاجتهاد، وحيث يجب القياس وحيث لا يجب، ومن له أن يقيس، ومن ليس له، ونقد الاستحسان ورد على القائلين به؛ وهو بهذا أول من وضع خطة في البحث في أصول الفقه جرى عليه كل من أتى بعده من علماء المذاهب الأخرى؛ قال الرازي: «واعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وذلك لأن الناس كانوا قبل أرسططاليس يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة، لكن (ما) كان عندهم قانون مخلص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين، فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة، فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن

93

بالقانون الكلي قلما أفلح، فلما رأى أرسططاليس ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة واستخرج علم المنطق، ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه في معرفة ترتيب الحدود والبراهين؛ وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون أشعارا، وكان اعتمادهم على مجرد الطبع، فاستخرج الخليل علم العروض فكان ذلك قانونا كليا في معرفة مصالح الشعر ومفاسده، فكذلك - هاهنا - الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي رحمه الله أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع كنسبة أرسططاليس إلى علم العقل ... واعلم أن الشافعي صنف كتاب الرسالة ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير، والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلا أن كلهم عيال الشافعي فيه؛ لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق».

94

نعم روى ابن النديم أن محمد بن الحسن ألف كتابا في أصول الفقه،

95

ولكن لم يصل إلينا هذا الكتاب حتى نستطيع أن نقارن بينه وبين رسالة الشافعي، ونعلم ماذا استفاد الشافعي من أصول محمد وماذا اخترع من نفسه؛ وقد كان هناك طريقان أمام مخترع أصول الفقه: الأول أن يضع القواعد التي تعين المجتهد على استنباط الأحكام من مصادر التشريع، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ والثاني استخراج القواعد العامة الفقهية لكل باب من أبواب الفقه، ومناقشتها وتطبيق الفروع عليها، - فيستنتج - مثلا - قواعد البيع العامة، أو قواعد الإيجار، ويحددها ويبين مسلك التطبيق عليها، وكلا الطريقين يصح أن يسمى أصول الفقه، وقد سلك الثاني الفرنج على النحو الذي تراه في أصول الشرائع لبنتام ومن حذا حذوه؛ وقد اختار الشافعي الطريق الأول، وألهمه ذلك ما كان من الجدل القوي بين المحدثين والفقهاء من جانب، وفقهاء العراق وفقهاء الحجاز من جانب آخر. فاضطره هذا الخلاف أن يضع القواعد التي رأى أنها تحسمه؛ أضف إلى ذلك أن الطريق الثاني أكثر ما ينمو في التشريع الوضعي الذي يعتمد على النظريات العقلية الطليقة وتعديلها وفق ما يجد من نظريات فلسفية وآراء مدنية، على أن هذا الضرب قد اتجه إليه بعض المسلمين بعد كما ترى في الأشباه والنظائر لابن نجيم وإن لم يسر طويلا.

وليس تعرضه لأصول الفقه مقتصرا على رسالته في الأصول، بل تعرض له أيضا في مواضع كثيرة من كتاب الأم، فتعرض - مثلا - لمناقشة الفرقة التي تنكر العمل بالأحاديث بتاتا،

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥١