تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

87

وهاجم بهذا المبدأ أيضا العراقيين؛ لأنهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهورا، ويقدمون القياس على خبر الآحاد وإن صح سنده، وأنكر عليهم تركهم لبعض السنن لأنها غير مشهورة، وعملهم بأحاديث لم تصح عند علماء الحديث بدعوى أنها مشهورة؛ ومن أمثلة ذلك أيضا أنه وقف في القياس موقفا وسطا لم يتشدد فيه تشدد مالك، ولم يتوسع فيه توسع أبي حنيفة، فهو يقول: «إن جهة العلم الكتاب والسنة والإجماع والآثار، ثم القياس عليها ... ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله عز وجل، فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه ... ولا يجوز لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبتا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك».

88

وهو على هذا الأساس قد أنكر الاستحسان وهاجم القائلين به، ويظهر من مجموع قوله أنه يعني بالاستحسان مجرد الرأي من غير أن يكون مستندا إلى أصل شرعي، وشبه المستحسن في أثناء كلامه بالتاجر يقدر للشيء ثمنا من غير أن يدخل السوق ويعرف أسعار اليوم. فتقديره لا ينبني على أساس، كذلك الفقيه يستحسن من غير أن يرجع في استحسانه إلى أصول الشريعة، ولذلك هاجم مالكا في قوله بالمصالح المرسلة، وهاجم الحنفية في قولهم بالاستحسان.

وهكذا سار الشافعي على هذا المنوال، حدد موقفه بقواعد، وهو عمل فيما نعلم لم يسبق إليه؛ وقد كان رحلته إلى المدينة ومكة واليمن والعراق مرارا ومصر أثر في اتساع ثروته في الحديث، فلم يقتصر على الحديث الشائع في الحجاز كما فعل مالك، بل ضم إليه كثيرا من الحديث الشائع في هذه البلدان الأخرى، وهذه الرحلات كذلك جعلته لا يتعصب لأهل المدينة، ولا يعترف بالحجة التي جعلها مالك أصلا من أصول مذهبه، وهي إجماع أهل المدينة، فنقد مالكا في هذا نقدا قويا، وذكر أن مالكا كان يقول بالإجماع، على حين أنه نفسه يروي أحاديث ضد الإجماع، فيقول مالك: «إن الناس أجمعوا على أن لا سجدة في سورة الحج إلا مرة واحدة، مع أنه يروي عن عمر وابن عمر أنهما سجدا في سورة الحج مرتين إلخ».

89

ولم يسلم الشافعي من تهجم بعض العلماء عليه في حديثه كابن معين، فقد أكثر فيه القول، وقال فيه ابن عبد الحكم: إنه كان يروي عن الكذابين والبدعيين، فروى عن إبراهيم بن يحيى مع أنه كان قدريا، وروى عن إسماعيل بن علية مع أنه طعن فيه، وقالوا: إن البخاري ومسلما لم يرويا عنه شيئا في صحيحهما، ولولا أنه كان ضعيفا في الرواية لرويا عنه، وأن مذهبه أن المراسيل ليست بحجة، وقد ملأ كتبه من قوله أخبر الثقة، أخبرني من لا أتهمه إلخ.

90

وقد دافع أصحاب الشافعي عن هذه الأقوال دفاعا شديدا، ومع هذا كله فقد كان الشافعي أقرب إلى المحدثين وهم إليه أميل، ولئن فاقه بعضهم في معرفة الحديث وأسانيده ورجاله فقد فاقهم بفقهه في الحديث، حتى روي عنه أنه قال لأحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه.

91

كان المحدثون أميل إلى الشافعي؛ لأنه توسع في استعمال الحديث والاستدلال به أكثر مما فعل مالك وأبو حنيفة، وحد من الرأي والقياس وضيق سلطتهما، ولذلك كان من أنصاره أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهما من كبار المحدثين، كما أنه كان أقرب إلى نفوس الحنفية من المحدثين وفقهائهم؛ لأنه لم ينكر القياس جملة، بل قال به وقعد له القواعد، حتى لقد عدل بعض فقهاء العراق عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهبه؛ ولعل هذا الموقف - وهو تقريبه وجهة النظر بين المدرستين: مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، وانتخابه ما رأى الحق في كلتيهما - هو أوضح ظاهرة في مدرسة الشافعي. قال الرازي: «إن الناس كانوا قبل الشافعي فريقان: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا عاجزين عن المناظرة والمجادلة، عاجزين عن تزييف طريق أصحاب الرأي، فما كان يحصل بسببهم قوة في الدين ونصرة الكتاب والسنة؛ وأما أصحاب الرأي فكان سعيهم وجهدهم مصروفا إلى تقرير ما استنبطوه برأيهم ورتبوه بفكرهم ... (فجاء الشافعي) وكان عارفا بالنصوص من القرآن والأخبار، وكان عارفا بأصول الفقه وشرائط الاستدلال ... وكان قويا في المناظرة والجدل.. فرجع عن قول أصحاب الرأي أكثر أنصارهم وأتباعهم».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٥٠