تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هاتان الناحيتان قد استفاد منهما الشافعي، وألف بينهما بشخصيته، فأخرج مذهبا جديدا دعا إليه في العراق سنة 195، وتبعه عليه بعض أصحابه البغداديين مثل أبي علي الحسين بن علي الكرابيسي، وكان من مشاهير علماء العراق، وله مصنفات كثيرة مات سنة 256؛ ومثل أبي ثور الكلبي، وقد صحب الشافعي في بغداد وأخذ عنه، وألف في مسائل الاختلاف بين مالك والشافعي، وكان أميل إلى الشافعي في كتبه؛ وكأبي علي الزعفراني، كان يقرأ كتب الشافعي التي ألفها قبل قدومه مصر. ولكن يظهر أن الشافعي لم يجد لمذهبه في العراق نجاحا كبيرا لمزاحمة الحنفية له، ولما لهم من جاه وسلطان وقوة، فتحول إلى مصر. قال الزعفراني: لما أراد الشافعي الخروج إلى مصر أنشد لنفسه:

أخي أرى نفسي تتوق إلى مصر

ومن دونها أرض المهامه والقفر

فوالله ما أدري أللفوز والغنى

أساق إليها أم أساق إلى قبري

قال الزعفراني: فوالله لقد سيق إليهما جميعا؛

85

وسأل الشافعي الربيع عن أهل مصر قبل أن يرحل إليهم، فقال له الربيع: هما فرقتان: فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عنه، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عنه، فقال الشافعي: أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعا؛ قال الربيع: ففعل ذلك والله حين دخل مصر.

86

وقد أقام بمصر نحو أربع سنوات أملى فيها كثيرا من كتبه.

منحاه في الاجتهاد:

لعل خير ما يلخص مسلكه ما ذكره هو إذ قال: «الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل معاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال للأصل لم وكيف، وإنما يقال للفرع لم، فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة».

أظهر مزايا الشافعي أنه على أثر ما رأى من صور مختلفة للتشريع، وتباين بين نمط الحجازيين والعراقيين، وما كان له من الجدل ومناظرات بين هؤلاء وهؤلاء، عمد إلى أن يحدد موقفه تحديدا دقيقا أمام هؤلاء وهؤلاء، رأى موقف الحجازيين إزاء الحديث غير موقف العراقيين، فسأل نفسه: ما موقفه، ورأى موقف الحجازيين إزاء القياس والاستحسان غير موقف العراقيين، فأراد أن يتعرف موقفه في ذلك؛ ورأى مثل هذا في إجماع أهل المدينة وإجماع العلماء عامة، فحاول أن يضبط ذلك؛ كل هذا نقله من الفروع إلى الأصول، وهذه من غير شك خطوة جديدة في التفكير، فإذا فرغ من وضع خطة في أصل هاجم مخالفها، لا فرق عنده بين أن يكون مخالفه حجازيا أو عراقيا، ولا فرق بين أن يكون أستاذه الذي أخذ عنه العلم، أو إنسانا لا يعرفه.

ولنسق لذلك بعض الأمثلة، فقد فكر في الحديث ورأى نفسه أمام جماعة ينكرون الأخذ بالحديث بتاتا، وجماعة يعملون به بشروط طويلة، وجماعة يعملون به في سهولة، فوضع له خطة خلاصتها: أنه إذا حدث ثقة عن ثقة عن رسول الله ولم يكن هناك حديث يخالفه عمل به، فإذا كانت هناك أحاديث مختلفة نظر: هل فيها ناسخ ومنسوخ، كأن يتأخر أحدها في الزمن، ويثبت بدليل أن الحديث الأخير نسخ ما قبله فيعمل بالناسخ، فإن لم يكن ناسخ ولا منسوخ نظر في أوثق الروايات وأمعنها في الصحة فعمل بها، فإن تكافأت عرضها على أصول القرآن والسنة الثابتة وعمل بما كان من الأحاديث أقرب إلى ذلك؛ وإذا ثبت الحديث عن رسول الله لا يترك هذا الحديث لأي قياس ولا لأي رأي، ولا لأي أثر يروى عن صحابي كائنا من كان، أو تابعي كائنا من كان.

فلما وصل إلى هذا الأصل استعرض موقف الحجازيين والعراقيين فرأى في كليهما مخالفة له فهاجمها، هاجم مالكا وانتقده؛ لأنه ترك أحيانا حديثا صحيحا لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو لرأي نفسه، وكان أشد نقد موجه منه لمالك أنه ترك قول ابن عباس في مسألة إلى قول عكرمة، مع أن مالكا يسيء القول في عكرمة، ولا يرى لأحد أن يقبل حديثه، قال الشافعي: «والعجب أن يقول في عكرمة ما يقول، ثم يحتاج إلى شيء من علمه يوافق قوله فيسميه مرة ويسكت عنه أخرى».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٩