82
وكان ذلك نحو سنة 184، وسن الشافعي نحو أربع وثلاثين سنة، ثم قدم بغداد سنة 195 وأقام بها سنتين، ثم رجع إلى مكة، ثم قدم بغداد سنة 198 فأقام فيها أشهرا، ثم خرج منها إلى مصر سنة 199، وظل بها إلى أن مات سنة 204. وفي أثناء إقامته بالعراق اتصل بمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأخذ عنه فقه العراقيين، قال ابن حجر: «انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، رحل إليه (الشافعي) ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ (الشافعي) عن صاحبه محمد بن الحسن جملا ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه فاجتمع له علم أهل الرأي، وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره وعلاه ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار».
وقد خلف لنا الشافعي في كتاب الأم وصيته التي أوصى بها قبل أن يموت بسنة، فتاريخها صفر سنة 203، يقول فيها: «هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس ابن العباس الشافعي في صحة منه وجواز من أمره، أن الله رزق أبا الحسن (ابن الشافعي) مالا فأخذ منه محمد بن إدريس لابنه»، وفي هذه الوصية تصدق على ابنه بثلاثة أعبد كان يملكها الشافعي، ووصيف أشقر خصي يقال له صالح، ووصيف نوبي خباز يقال له بلال، وعبد فراني، وتصدق بأمة شقراء كانت له - وفي هذه الوصية أيضا تصدق بحلية، وقد عددها في الوصية - وتصدق بمنزلين له في مكة وقفهما على ابنه، ثم من بعده لأولاد ابنه الذكور والإناث إلخ.
83
وله وصية أخرى في شعبان من هذه السنة، أوصى فيها بماله وقسمه أسهما، وبين ما يفعل بعبيده وجواريه، وما يعطون من ماله، وما يعطى لفقراء آل شافع.
84
وهذه الوصايا تدل على أن حالته المالية في مصر كانت لا بأس بها، وإن لم تبلغ درجة الغنى.
وأما صفاته العقلية واللسانية فيكاد المؤرخون يجمعون على عذوبة منطقه، وحسن بيانه وذكائه، وقدرته الفائقة على الجدل، وقوته في التفكير، ومهارته في الاستنباط.
إذن ثقافته ثقافة في اللغة والأدب واسعة، وثقافة في الحديث، رحل في طلبه إلى بلاد كثيرة، وثقافة في الفقه على نمط مدرسة الحجاز، وثقافة في الرأي على نمط مدرسة العراق، وثقافة اجتماعية من مشاهدته لحياة البدو في البادية، والحضارة الأولية في الحجاز واليمن، والحضارة المعقدة المركبة في العراق ومصر، وحياة الفقراء من البدو والزهاد من المحدثين، ومن أخذوا بحظهم من الدنيا كمحمد بن الحسن الشيباني في العراق، وابن عبد الحكم في مصر، ورؤية لأنماط من الحياة الاجتماعية والاقتصادية مختلفة، تتطلب أنواعا من التشريع مختلفة، فالمصريون يتعاملون أنواعا من المعاملات لا يتعاملها أهل العراق، والمصريون والعراقيون يشتركون أحيانا فيما لا يشترك معهم فيه الحجازيون، ونظام الري للنيل في مصر غير نظام دجلة والفرات في العراق، وذلك يستتبع اختلافا في الخراج وما إليه، وكلاهما يختلف في ذلك عن بلاد لا تعرف أنهارا كالحجاز؛ كل هذا وأمثاله كان له أثر كبير في تكوين مذهب الشافعي، فإن نحن أردنا أن نخطط رسما بيانيا لمدرسته كما فعلنا من قبل كان هذا يسيرا سهلا:
وكان الشافعي في أول أمره يعد نفسه تلميذا لمالك، ومتبعا لمذهبه وتعاليمه وأحد رجاله مدرسته، وما زال كذلك إلى سنة 195 حيث قدم بغداد قدمته الثانية، فهناك بلغ مبلغ مؤسس مذهب يدعو إليه، والظاهر أن أقوى ما أثر فيه اتصاله في قدمته الأولى بأصحاب أبي حنيفة واستفادته من كتب محمد وعلمه بطريقة أهل العراق، فقد رأى من غير شك أن طريقتهم لا يحسن أخذها كلها، ولا تركها كلها، فعندهم القياس وهو منهج صحيح، ولكنه في نظره ليس على إطلاقه بل لابد أن يتأخر عن الأحاديث الصحيحة حتى ما كان منها خبر آحاد، وعندهم طريقة التفريع، وتوليد المسائل الكثيرة من أصولها، وهي طريقة جيدة، وعندهم الجدل والاستدلال بالعدالة والمصلحة، وإلحاق الشبيه بالشبيه، وما بين الأشياء من فروق وموافقات، والمناظرة في ذلك وتأليف الحجج، وقد رأى ذلك حسنا، ورأى نفسه في استعداد جيد للدخول في هذا الباب والتفوق فيه، فاقتبس من ذلك أحسنه وأضافه إلى ثروته الحجازية من اللغة والأدب أولا، والحديث وإجماع أهل المدينة وطريقة الحجازيين في الاستنباط ثانيا.