76
وهو صاحب الفتوى المشهورة لأمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، فقد وقع على جارية له في رمضان، فأفتى أن يكفر بصوم شهرين متتابعين. وسئل لم لم تفته بمذهب مالك، فعنده أنه مخير بين عتق رقبة وإطعام ستين مسكينا وصوم شهرين؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه هذا العمل، ويعتق فيه رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود - وتعد روايته للموطأ أصح رواية، وهي التي بين أيدينا - وقد خالف مالكا في مسائل ذهب فيها إلى مذهب الليث بن سعد، فلم ير القضاء بالشاهد مع اليمين كما رأى مالك، وقال لابد من شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين اتباعا لليث، وكان يرى جواز كراء الأرض بجزء مما يخرج منها كما يرى الليث.
77 •••
وعلى الجملة فإن كانت مدرسة أبي حنيفة قد وسعت الفقه بكثرة الفروع، وبما يستلزمه ذلك من رأي وقياس واستحسان، وبمواجهة المشاكل المعقدة التي قدمتها لها المدنية الضخمة، والتي قدمتها لها بقايا الأمم الممدنة في العراق من آشوريين وكلدانيين وفرس وغيرهم، فإن مدرسة مالك قد أثرت في الفقه بما نقلت من أحاديث كانت وافرة فيها بحكم قيام الرسالة فيها، وكثرة الصحابة بها، وبما قدمت من أشكال أوضاع تداولها سكان المدينة جيلا عن جيل، وأهل المدينة في ذلك أوثق؛ فقد شهد الأولون منهم النبي يتوضأ على نحو خاص، ويصلي على نحو خاص، وعرفوا مقدار المكاييل والموازين التي كانت تستعمل لعهده، فنقلوا ذلك كله إلى من بعدهم من طريق الأخبار أحيانا، ومن طريق التوريث أحيانا أخرى، وتسلسل ذلك إلى مالك ومدرسته؛ ثم كان من أصحاب الذهبيين من ينتفع بمزايا كل، فيرحل محمد بن الحسن الحنفي إلى المدينة يمكث فيها ثلاث سنين ويروي الموطأ، ويعود إلى العراق مزودا بالآثار، ويذهب أسد ابن الفرات ويمكث في العراق طويلا، ويعود إلى مصر والقيروان مزودا بكثرة الفروع، وبذلك وأمثاله تأثرت المدرستان، وتقارب المذهبان. (3) الشافعى ومدرسته
الشافعي هو محمد بن إدريس، قرشي من جهة الأب، يلتقي مع النبي
صلى الله عليه وسلم
في عبد مناف؛ وقد روى الجرحاني (وهو من الحنفية) عن أصحاب مالك أن شافعا جد الشافعي والذي ينسب إليه لم يكن قرشي الأصل، وإنما كان مولى لأبي لهب، وعلى ذلك يكون الشافعي مولى، ولكن قوله هذا لم يقره عليه علماء الأنساب، والظاهر أنه حمله على ذلك العصبية المذهبية فالصحيح أنه قرشي، والراجح أن أمه أزدية، والأرذ من اليمن؛ وكان أبوه خرج في حاجة، إلى الشام فولدت له الشافعي بغزة أو عسقلان سنة 150 ثم مات أبوه فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين، وقد نشأ فقيرا كما حدث هو عن نفسه. روي عنه أنه قال: «كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن لها مال، وكان المعلم يرضى من أمي أن أخلفه إذا قام، فلما جمعت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة، وكانت دارنا في شعب الخيف، فكنت أكتب في العظم، فإذا كثر طرحته في جرة عظيمة»، وفي رواية: «لم يكن لي مال فكنت أطلب العلم في الحداثة، فأذهب إلى الديوان فأستوهب منهم الظهور فأكتب فيها»؛
78
قال: «وخرجت من مكة فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة، وكانت أفصح العرب»:
79
وقد أفادته الإقامة في البادية مع قرشيته معرفة واسعة باللغة والشعر، أعانته على فهم معاني القرآن والسنة، فنراه يستشهد على أن السعي معناه العمل في قوله تعالى:
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله
يقول زهير:
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهموا
فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
80
وبأن السر معناه الجماع في قوله تعالى:
ولكن لا تواعدوهن سرا
بأبيات لامرئ القيس وجرير إلخ
81
كما أفادته قوة في التعبير وعربية رصينة في الأسلوب وذوقا دقيقا، حتى لقد قرأ عليه رجل فلحن، فقال له الشافعي «أضرستني»؛ وقد روي أن الأصمعي أخذ عنه شعر الهذليين وشعر الشنفري؛ ثم اتجه إلى الحديث والفقه، فأخذ في مكة عن سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي، وحفظ الموطأ ثم رحل إلى مالك في المدينة وسمع منه الموطأ، وأخذ عنه فقهه، ولازمه إلى أن مات مالك سنة 179 ثم خرج إلى اليمن، وقد ذكر في رحلته إليها أسباب كثيرة أقربها أن والي اليمن جاء مكة فكلمه بعض القرشيين أن يأخذ الشافعي ويوليه بعض الأعمال، ففعل وولاه بعض الأعمال، ثم اتهم بالتشيع وامتحن؛ والروايات كذلك مختلفة: هل اتهم هذه التهمة وهو باليمن أو بعد أن عاد إلى الحجاز؛ فإن ابن عبد البر يروي أنه اتهم بالتشيع والميل إلى مبايعة علوي وهو بالحجاز؛ وابن حجر يروي روايات مختلفة كلها متفقة على أنه اتهم بذلك وهو في اليمن، والكل متفقون على النتيجة، وهي أنه حمل في هذه التهمة إلى هارون الرشيد، فنفى الشافعي التهمة وعفا عنه الرشيد؛