تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد روي في الموطأ روايات مختلفة تختلف في ترتيب الأبواب، وتختلف في عدد الأحاديث حتى عدها بعضهم عشرين نسخة، وبعضهم ثلاثين،

73

واختلافها باختلاف رواياتها عن مالك، وسبب الاختلاف - على ما يظهر - أن مالكا لم ينته من نسخة يؤلفها ويقف عندها، بل قد كان دائم التغيير فيها لما روينا قبل من أنه كان دائم المراجعة للأحاديث وحذف ما لم تثبت صحته منها، فألذين سمعوا الموطأ سمعوه من مالك في أزمان مختلفة، فكان من ذلك الاختلاف في النسخ. وقد بقي من هذا النسخ بين أيدينا رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي التي شرحها الزرقاني، ورواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وفيها أشياء كثيرة ليست في رواية يحيى، وهو يمزج ما روى عن مالك بآرائه، فكثيرا ما يقول: «قال محمد».

وقد روي أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون سبق مالكا فعمل كتابا ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، (يعني آراءهم وفقههم)، عمل ذلك من غير حديث، ورآه مالك فقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا الذي عملت ابتدأت بالآثار، ثم سددت ذلك بالكلام.

74

ويظهر أنه أنفذ فكرته بعد فألف الموطأ على هذا المنهج الذي رسمه: بدء بالحديث غالبا، ثم تثنية بعمل أهل المدينة، أو تفريع الفروع واستنتاج حكمها.

وعلى كل حال فكتاب الموطأ يعد من أوائل الكتب التي ألفت في الحديث والفقه، وقد نشره الآخذون عن مالك في الأمصار، فمحمد بن الحسن في العراق، ويحيى بن يحيى الليثي في الأندلس، وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن عبد الحكم وأشهب في مصر، وأسد بن الفرات في القيروان إلخ وكان له أثر كبير في الحركة العلمية الدينية على اختلاف العصور.

المدونة:

أما المدونة فهي مجموعة رسائل تبلغ نحو ستة وثلاثين ألف مسألة، جمعها أسد بن الفرات النيسابوري الأصل التونسي الدار، وكان تلميذا لمالك سمع منه الموطأ ثم رحل إلى العراق، وفعل في العراق كما فعل محمد بن الحسن في المدينة كلاهما مزج الفقهين، وقرب بين المدرستين، فقد لقي أسد بن الفرات صاحبي أبي حنيفة أبا يوسف ومحمدا، وسمع منهما الفروع على الطريق العراقية، ثم ذهب إلى مصر ولقي أصحاب مالك بها، ولا سيما ابن القاسم، وعرض عليهم هذه الفروع ونحوها، وسمع منهم حكمها على مذهب مالك، أما حسب ما سمعوا من مالك، وأما اجتهادا على أصوله ومنحاه وجمع أسد بن الفرات ذلك كله في كتاب سمي المدونة، ثم رحل بها أسد إلى القيروان فأخذها عنه سحنون الفقيه المغربي، وعاد بها إلى مصر سنة 188 فعرضها علي ابن القاسم، وأصلح فيها مسائل، وكانت لما جمعها أسد بن الفرات غير مرتبة ولا مبوبة، فرتبها سحنون وبوبها، واحتج لبعض مسائلها بالآثار،

75

وعاد إلى القيروان، وانتشرت منها إلى الأندلس، وكان لها الفضل في نشر مذهب مالك في قطري المغرب والأندلس.

فالمدونة كما ترى متأثرة بالعراقيين في تفريع المسائل وتوليدها، وبالحجازيين في تطبيق مذهب مالك عليها، ومن هذا ترى كيف كان الزمن والرجال والرحلات تعمل على استفادة كل مذهب بما للآخر، فالمدونة ليست إذن من تأليف مالك، وإنما هي جمع لفتاوى مالك في مسائل، واجتهاد من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه في وضع أحكام لمسائل على قواعده ومبادئه.

وقد كان لمالك أصحاب أكثر عظمائهم مصريون كعبد الله بن وهب وابن القاسم وأشهب وعبد الله بن الحكم، ومن عظمائهم أندلسي كبير، وهو يحيى بن يحيى الليثي.

فالأربعة الأولون كانوا عماد المدرسة الدينية في مصر لعهدهم، وكانوا مع أخذهم عن مالك يجتهدون ويخالفون أحيانا، كما خالف أبو يوسف ومحمد أبا حنيفة، وكما خالف المزني والبويطي الشافعي. وأما يحيى بن يحيى الليثي فأصله من قبيلة بربرية يقال لها مصمودة، ونسب إلى بني ليث بالولاء، رحل إلى المدينة وسمع من مالك، ورحل إلى مكة، وسمع بمصر من الليث بن سعد وابن وهب وابن القاسم، ورجع إلى الأندلس بعد ما كمل علمه، فكان عالم الأندلس وعظيمها ووجيهها، وإليه الفضل في نشر مذهب مالك في الأندلس، فقد كان - كما قال ابن حزم -: «مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى ابن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدا في جلالته عندهم، وداعيا إلى قبول رأيه لديهم»،

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٦