تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

68

وقد رأينا قبل مسلك أبو حنيفة في أقوال الصحابة إلخ.

ومن هذا نرى أن هذين الأصلين، أعني عمل أهل المدينة وقول الصحابي، قد غذيا مالك بآثار كثيرة كان من شأنها تضييق دائرة الرأي؛ ومع هذا فلم ينكر مالك الرأي بتاتا، فمن أصول مذهبه القول بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح، وقد تقدم الكلام فيه، ومن هذا القبيل ما قاله من الضرب عند التهمة للاعتراف بالسرقة، ورويت عنه أقوال دليلها الاستحسان، كتضمين الصناع وثبوت الشفعة في بيع الثمار. فمن هذا نرى أن مسالك الأئمة من أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، تكاد تكون واحدة في العدد، ولكن الاختلاف إنما هو في سعة الدوائر وضيقها، فإن ضاقت دائرة الحديث واتسعت دائرة الرأي عند الأولين كان الأمر على العكس عند الآخرين، أما عدد الدوائر نفسها فتكاد تكون واحدة. •••

أكبر آثار مالك التي نقلت إلينا «الموطأ» و«المدونة».

الموطأ:

69

فأما الموطأ فكتاب ألفه مالك، فيه مظهر للحديث ومظهر للفقه، فمظهر الحديث أن أغلب ما فيه حديث عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أو الصحابة أو التابعين، أخذ هذه الأحاديث عن رجال عديدين بلغوا نحو خمسة وتسعين رجلا كلهم مدنيون إلا ستة: اثنان بصريان، ومكي واحد، وخراساني وجزري وشامي. والأحاديث التي يرويها عن هؤلاء الستة قليلة جدا، فمنهم من يروي له الحديث ومنهم من يروي له الحديثين، وقد لقيهم مالك أما في المدينة أو في مكة

70

أما من عدا هؤلاء الستة فمدنيون يروي عنهم مالك، بعضهم يروي له كثيرا كابن شهاب الزهري، ونافع، ويحيى بن سعيد، وبعضهم يروي له الحديث الواحد أو الاثنين أو الثلاثة، وحتى الصحابة الذين يروى لهم أكثرهم م من أقام بالمدينة طويلا - حتى روي أن الرشيد قال لمالك: لم لم نر في كتابك ذكرا لعلي وابن عباس، فقال: لم يكونا ببلدي، ولم ألق رجالهما. وهذا الخبر مشكوك فيه، ولكن مما لا شك فيه أن روايته عنهما في الموطأ قليلة؛

71

وبعض الأحاديث في الموطأ مسندة وبعضها مرسلة، ومتصلة ومنقطعة، وبعضها مما يسمى بلاغات، وهو ما يقول فيها مالك بلغني أو نحوه من غير أن يعين من روى عنه فيقول: بلغني عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلخ. أو يقول عن الثقة عندي عن، عمر بن شعيب إلخ. وقد جمع مالك أحاديث كثيرة، ثم كان يختار منها على مر السنين؛ فقد رووا أن مالكا «جمع في الموطأ أربعة آلاف حديث أو أكثر، ومات وهي ألف ونيف يخلصها عاما عاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين»؛

72

وقد رووا أنه شغل به نحو أربعين عاما. وأما ناحية الفقه فيه فإنه رتبه ترتيب الفقه، فكتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة، ثم كتاب الزكاة، ثم الصيام وهكذا، وفي كل كتاب من هذه فصول، كل فصل يجمع المسائل المتشابهة كصلاة الجماعة، وصلاة المسافر إلخ؛ وأيضا يزيد على الحديث أحيانا استنتاجه الفقهي منه.

وطريقته في التأليف أن يذكر الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد، وقد يعقب الحديث بتفسير كلمة لغوية فيه، وأحيانا يعقبه بأنه سئل في كذا فأجاب بكذا استنادا إلى آية أو حديث أو قياس؛ «سئل مالك عن الحائض تطهر فلا تجد ماء، هل تتيمم؟ قال: نعم، لتتيمم فإن مثلها الجنب إذا لم يجد ماء تيمم». وأحيانا يعقبه بتفريع مسائل وذكر حكمها، كأن يقول بعد أحاديث السرقة: «وليس على الأجير ولا على الرجل يكونان مع القوم (السارقين) قطع؛ لأن حالهما ليست بحال السارق، وإنما حالهما حال الخائن، وليس على الخائن قطع ...» «والأمر عندنا في السارق يوجد في البيت قد جمع المتاع ولم يخرج به أنه ليس عليه قطع، وإنما مثل ذلك كمثل رجل وضع بين يديه خمرا ليشربها فلم يفعل فليس عليه حد»، وأحيانا لا يبدأ بالحديث، بل يذكر المسألة ويذكر حكمها ودليله على هذا الحكم، وأحيانا يذكر في المسألة حكم علماء المدينة، فيقول: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا كذا»، إلخ، إلخ.. فهو لهذا كله كتاب حديث وفقه معا.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٥