تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

65

وكان طبيعيا كذلك أن تكون المسائل التي تعرض لفقهاء المدينة أقل عددا؛ لتحرج المدنيين من الفتوى إذا قيسوا بالعراقيين، ولأن المشاكل القانونية والمسائل الفقهية تدور مع المدنية، ولأن المدينة كانت أقرب إلى بساطة العيش وأبعد عن تعقيدات الحضارة، وكان ما أثر عندهم من حديث كثير كافيا في أغلب الأحيان كل ما يعرض من إشكال.

منحى مالك في الاجتهاد :

كان مالك لا يشترط في الحديث ما اشترطه أبو حنيفة من الشهرة وغيرها، بل يعمل بخبر الواحد إذا صح أو حسن؟ وهذا المبدأ يجعل الأحاديث التي يبني عليها مذهبه أكثر عددا، فلا يتطلب في الحديث شهرة، وإنما يتطلب صحة السند ونحوها، ولا يفهم من هذا تساهله في قبول الحديث من غير تحر أو تدقيق، بل هو شديد التحري ولكن لا يشترط شهرة الحديث وعمومه؛ وروي عنه أنه قال: «لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم

عند هذه الأساطين، (وأشار إلى مسجد رسول الله) فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن»؛ وكان يقول: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ م من سواهم: لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يتهم على حديث رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف، ما يحمل وما يحدث به».

66

وقد جمع الموطأ وظل سنين يحرره، ويحذف منه الحديث يتبين له عدم صحته، ولكن مع هذا كله كانت دائرة الصحة عنده أوسع من دائرة أبي حنيفة.

ومسألة أخرى هي عنده أساس للتشريع، وهي عمل أهل المدينة: كان مالك يدل بعمل أهل المدينة، ويرى أنهم أدرى بالسنة وبالناسخ والمنسوخ، ويقول في كتابه لليث بن سعد: «إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن»؛ وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل مسألة واتفق مع العمل علماؤها فهذا العمل حجة يقدم على القياس، بل ويقدم على الحديث الصحيح؛ أما إذا لم يكن عملا إجماعيا، بل عمله أكثرهم، فهذا العمل أيضا حجة يقدم على خبر الواحد لأن العمل بمنزلة الرواية، فعمل الأكثر بمنزلة رواية الأكثر، فإذا جاء خبر واحد يخالفهم كان الراجح أنه منسوخ، على أنه ينبغي التفرقة بين إجماعهم على العمل النقلي والاجتهادي، فالنقل كنقلهم تعيين محل منبر النبي

صلى الله عليه وسلم

وقبره ومحل وقوفه للصلاة، وكتعيينهم مقدار المد والصاع والأوقية في عهد رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ونقلهم كيفية الأذان، والإقامة هل كانت مثنى أو فرادى، والاجتهادي كاجتهاد المدنيين في بطلان خيار المجلس ونحوه، فالأول لا خلاف في حجيته عند مفسري مذهب مالك، والثاني مختلف فيه عندهم؛ وهذه التفرقة معقولة، فالأعمال التي يجمع عليها أهل المدينة كتحديد المكاييل، والموازين وأشكال الأعمال التي عملها الرسول

صلى الله عليه وسلم ، الأرجح فيها أن الجيل التالي من سكان المدينة نقلها عن الجيل الأول كما هي، خصوصا إذا قرب العهد، كما رجحوا عند الخلاف أعمال المكيين في مناسك الحج لأنهم بها أدرى؛ أما المسائل الاجتهادية فالأمر فيها سواء بين مجتهدي الصحابة والتابعين من المدنيين والكوفيين والشاميين والمصريين. وقد نقل مالك إجماع أهل المدينة في موطئه على نيف وأربعين مسألة،

67

وقد خالف مالكا في حجية عمل أهل المدينة الليث بن سعد في رسالته إلى مالك، والشافعي في الأم، وناقشاه مناقشة قيمة ممتعة.

ومن مسلك مالك في التشريع، العمل بقول الصحابي إن صح نسبته إليه، وكان من أعلام الصحابة - كالخلفاء الراشدين، ومعاذ بن جبل، وابن عمر - وكان لم يرد في المسألة عينها حديث عن النبي صحيح، وقد رد عليه في ذلك بأن الصحابة ليسوا محل العصمة، ويجوز عليهم الغلط، وبأن قول الصحابة لو كان حجة لزم التناقض؛ لأن كثيرا ما صح في المسألة الواحدة آراء مختلفة للصحابة

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٤