تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

63

ولد سنة 93 أو 97، وتوفي سنة 179، وعاش حياته بالمدينة، ولم أعرف أنه رحل عنها إلا إلى مكة حاجا.

وقد تزيد بعضهم في أخباره، كما فعل الحنفية وغيرهم، فزعموا أن أمه حملت به ثلاث سنين (ولا أدري قيمة هذا في فضل الرجل)، ورووا أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «يخرج الناس المشرق والمغرب فلا يجدون عالما أعلم من أهل المدينة». إلخ.

ولسنا نعرف كثيرا عن نشأته الأولى، ودراسته العلمية في صباه، وقد ذكروا أنه أخذ القراءة عن نافع بن أبي نعيم، وسمع الحديث من كثير من شيوخ المدينة أشهرهم ابن شهاب الزهري، ونافع مولى ابن عمر، فابن شهاب الزهري أحد الفقهاء والمحدثين، وكان من أعلم الناس في زمنه بالسنة؛ وقد روى عنه مالك في الموطأ (في بعض نسخ الموطأ) مائة واثنين وثلاثين حديثا، ونافع مولى عبد الله بن عمر أصله من الديلم، أصابه عبد الله بن عمر في غزوة غزاها فأسلم وأخذ عن ابن عمر حديثه، وكان من أشهر علماء المدينة. وقد روى عنه مالك في الموطأ ثمانين حديثا كما أخذ عن هشام بن عروة بن الزبير، وقد روى عنه في الموطأ ستة وخمسين حديثا، وهكذا لقي شيوخا كثيرين وخاصة شيوخ المدينة، وأخذ عنهم.

ومن أشهر ما حدث له محنته أيام المنصور حين خرج محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم علي المنصور، وقد روي ت في هذه الحادثة روايتان: إحداهما أن مالكا كان يفتي الناس أنه لا يقع طلاق المكره، ويحدث الناس بحديث «ليس على مستكره طلاق» ولم تكن هذه الفتوى تعجب العباسيين؛ لأن هذا يستتبع أن من بايع العباسيين مكرها فله أن يتحلل من بيعته، وله أن يبايع محمد بن عبد الله بن الحسن بالمدينة، فرووا أن المنصور نهى مالكا عن التحدث بهذا الحديث، ثم دس إليه من يسأله، فحدث به على رءوس الناس فضربه بالسياط؛ والرواية الأخرى أن مالكا لما علا شأنه بالمدينة سعى حساده إلى والي المدينة جعفر بن سليمان، وقالوا إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز؛ فغضب جعفر ثم جرده ومده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه؛ قالوا: فما زال مالك بعد هذا الضرب في رفعة من الناس، وعلو من أمره حتى كأنما كانت تلك السياط حليا حلي بها.

64

كما روي عنه أنه سئل عن البغاة (يعني العصاة الخارجين على الخلفاء) أيجوز قتالهم؟ فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، فقال: فإن لم يكن مثله؟ فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما، فكانت هذه الكلمة من أسباب محنته.

على كل حال تتفق الروايتان في ضربه، وفي الأصل السبب، وتختلف في التفاصيل. وقد روينا قبل عن أبي حنيفة مثل هذا الموقف، وزيد عليه طلبه للقضاء وإباؤه؛ فلعل رأي أبي حنيفة ومالك كان متفقا، وسياسة المنصور في الحالين واحدة. •••

تركزت مدرسة المدينة في مالك كما تركزت مدرسة الكوفة في أبي حنيفة، فإن أردنا تصوير مدرسة المدينة كما فعلنا بمدرسة الكوفة فليكن هكذا:

بعضهم يعد من الفقهاء السبعة أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المتوفى سنة 94، ويضعه بدل سالم بن عبد الله بن عمر.

وأكثر رجال هذه المدرسة عرفوا بالحديث والفقه فيه، فبعد عصر الصحابة كان رأس المدرسة من التابعين سعيد بن المسيب، وقد كان يعد وارث عمر في علمه في المدينة؛ وتصدر سعيد للفتوى، وكان لا يهابها، فأثر عنه كثير من الفتاوى والآراء، وكان يقول: «ما قضى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي قضاء إلا وقد علمته». وجاء في الطبقة التي بعده الزهري ونافع. فكانا أعلم أهل المدينة حديثا وفقها. كل هؤلاء كانوا يحفظون الحديث عن رسول الله، وطبيعي أن تكون المدينة أغنى من أي مصر آخر في هذا، فالنبي كان فيها أكثر أيام التشريع، كما كان بها من الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان، وكانت حاضرة الخلافة في أيامهم، ومنها تصدر الآراء في المسائل الدينية والسياسية، كما كان المدنيون أقدر على مشاهدة التشريع العملي، فهم أعرف بما كان النبي يفعله في وضوئه وصلاته وزكاته، وما كان يفعله كبار الصحابة. فكما كان كل جيل من العلماء يتلقى الأحاديث المروية ع من قبله كذلك كان يتلقى الأعمال وهيئاتها من الجيل الذي قبله، فكان طبيعيا أن تكون المدينة مقر مدرسة الحديث - ولكن الذي قد يلفت النظر أن يكون بين كبار رجال المدينة ربيعة الرأي، وهو كما يدل عليه اسمه من أهل الرأي، ومن شيوخ مالك، وقد روى عنه في الموطأ اثنى عشر حديثا، وهو فارسي الأصل؛ وقد روي عنه أنه جادل سعيد بن المسيب في دية الأصابع، وسعيد يتمسك بالسنة، وربيعة يعترض بالرأي، فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ قال لا، بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال سعيد: هي السنة، وقد روي في ترجمته أنه كان في العراق أيام السفاح وأنه قربه واستعمله، فهل أخذ الرأي عن العراقيين أيام كان بينهم؟ ظن بعضهم ذلك، ولكن يظهر أنه غير صحيح، فقد رأينا هذه النزعة عنده قبل أن يكون في العراق؛ لأنه بهذه النزعة جادل سعيد بن المسيب المتوفى سنة 93 قبل ولاية السفاح بزمن طويل، ولأنه قد روى الرواة أن ربيعة كان يكره العراق وأهله، واستعفى أبا العباس من أجل ذلك وعاد إلى المدينة، فقيل له: كيف رأيت العراق وأهلها؟ قال: «رأيت قوما حلالنا حرامهم، وحرامنا حلالهم، وتركت بها أكثر من أربعين ألفا يكيدون هذه الدين» فالظاهر أن نزعة الرأي عنده وليدة المدينة نفسها، فالصحابة الذين كانوا بالمدينة منهم من كان يعمل العقل حيث لا نص، كما تقدم في سيرة عمر بن الخطاب، ومنهم من لا يميل إلى ذلك كابنه عبد الله بن عمر، ولا شك أن النزعتين بقيتا، وتأثر بهذه قوم، وهذه آخرون، ولكن كان لون الحديث أبين وأوضح، وكان وجود ربيعة الرأي بينهم علما على اللون الآخر، وسنرى أثر ذلك حتى في فقه مالك:

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٣