تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

إلخ. كما روي أن الرشيد سأله في أمان أعطاه لأحد الطالبيين، وأراد الرشيد أن يتحلل منه فقال محمد: هذا أمان صحيح ودمه حرام، وقد تقدم الخبر بذلك ، وقد عزله الرشيد عن قضاء الرقة ثم استدناه، وقد مات. محمد وهو مع الرشيد في خرجته إلى الري سنة 189 وقد كانت بينه وبين شيخه أبي يوسف وحشة استمرت بينهما إلى الوفاة، ولعل السبب اختلاف النزعتين.

وقد أفاد محمد فقه أبي حنيفة من ناحيتين: ناحية اشترك فيها مع أبي يوسف من سماع المحدثين وسماع فقه المدينة وتطعيم فقه أبي حنيفة بذلك؛ وناحية أخرى هامة جدا، وهي تفريع المسائل من الأصول، وقد عرف محمد بذلك وبمهارته في الحساب مما يحتاج إليه المواريث ونحوها، ثم تدوين الفقه في كتب كثيرة هي عماد من أتى بعد في فقه أبي حنيفة؛ فمن أشهر كتبه الكتب الستة: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير؛ ويسمي الحنفية هذه الكتب كتب ظاهر الرواية؛ لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، وقد جمع الحاكم الشهيد هذه الكتب الستة في كتاب سماه الكافي، وشرحه جماعة منهم السرخسي في كتابه المشهور «المبسوط»، وقد وصل إلينا وطبع في ثلاثين مجلدا، كما وصل إلينا كتاب الجامع الصغير لمحمد،

59

يذكر في صدر كل باب: «محمد عن يعقوب (أبي يوسف) عن أبي حنيفة». وعلى الجملة فقد كان محمد حلقة اتصال بين فقهاء الحديث وفقهاء الرأي، كما كان حلقة اتصال بين مذهب أبي حنيفة والشافعي، وكما كان له أكبر الفضل في تدوين مذهب أبي حنيفة وحفظه في الكتب، واغتراف الناس منه بعد، وتأثر المؤلفين به وبكتبه.

زفر:

وأما زفر فعربي من تميم، كان من أشهر أصحاب أبي حنيفة، وكان أمهرهم في القياس وأكثرهم التزاما لمسلكه في الرأي؛ كان أبوه هذيل واليا على البصرة،

60

وكانت أمه أمة فارسية؛ فورث وجهه من أمه ولسانه من أبيه، وكان قوي الحجة، مقدما عند أصحاب أبي حنيفة، قياسا، ولد سنة 110 وتوفي سنة 158.

ويعجبني في المقارنة بين الثلاثة ما روي عن المزني صاحب الشافعي أنه جاءه رجل فسأله عن أهل العراق، قال: ما تقول في أبي حنيفة؟ قال: سيدهم؛ قال: فأبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث؛ قال: فمحمد بن الحسن؟ قال : أكثرهم تفريعا؛ قال: فزفر؟ قال: أحدهم قياسا.

61 •••

وعلى الجملة فقد انتشر فقه أبي حنيفة في العراق، وكان طبيعيا أن يسود في العراق، ففيه نشأ، ومذهب البلد أدرى بما يعرض من المسائل وأقدر على حلها، وهو باعتماده على الرأي والقياس - حيث لا نص يصح - أكثر إسعافا للفتوى فيما يجد من أحداث تتطلب سرعة في البت، ثم قدر لأبي يوسف أن يكون في منصب رئيس يستطيع أن يخدم فيه هذا الفقه بسلطانه، كما حظي الفقه بمحمد يدونه ويسجله؛ ويذكر ابن النديم أنه رزق كذلك بمحمد بن شجاع الثلجي (المتوفى سنة 256)، وكان معتزليا «ففتق فقه أبي حنيفة واحتج له، وأظهر علله، وقواه بالحديث، وحلاه في الصدور».

62

كما يصح أن نستنتج أن فقه أبي حنيفة تغير بعض الشيء على يد أبي يوسف ومحمد والثلجي وأضرابهم عما كان عليه في زمن أبي حنيفة نفسه، فرجعوا عن آراء له إلى الحديث الذي صح عندهم، وضيقوا حدود الرأي والقياس عما كانت عليه زمن الإمام، باتصالهم بأهل الحديث وفقهاء الحديث، وبالحملات الشديدة التي شنع بها هؤلاء على أهل العراق؛ وتلاقت هذه النزعة بنزعة أخرى تشبهها، وهي نزعة بعض فقهاء الحديث إلى الاستفادة من أصحاب الرأي، وتجلت هذه النزعة في الشافعي - كما سيأتي - وبذلك قلت مسافة الخلف التي كان يراها الرائي بين أبي حنيفة ومالك. (2) مالك ومدرسته

وهو مالك بن أنس الأصبحي المدني، والأصبحي نسبة إلى ذي أصبح قبيلة يمنية، والأشهر أنه عربي الأصل، وأن نسبه إلى ذي أصبح نسب عربي صحيح، وبذلك قال الواقدي، ولكن محمد بن إسحق خالفه في ذلك، وزعم أن مالكا وجده وأعمامه موالي لبني تيم بن مرة، وهذا هو السبب في تكذيب مالك لمحمد ابن إسحق والطعن عليه

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٢