تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونجد في كتاب الخراج مصداق كل ما ذكرناه عن أبي يوسف، فهو يتعرض لأمور من أهم شئون الدولة المالية، لا يستطيع الإلمام بها والوقوف على دقائقها إلا من كان في مثل منصبه واتصاله بالخلفاء ومهام الدولة؛ وهو واسع الاطلاع في الحديث، كثير الأخذ عن الشيوخ في مختلف الأمصار، ومختلف الاتجاهات؛ فهو يروي عن «بعض أشياخنا الكوفيين» و«عن بعض أشياخنا من أهل المدينة»، وعن أبي حنيفة، وعن مالك بن أنس، وعن الليث بن سعد، وعن عشرات غيرهم؛ وهو واسع الاطلاع على أقوال الصحابة وأعمالهم، ويتجلى في كتاب الخراج وقوفه على تصرفات عمر بن الخطاب؛ لأنه كان العمدة في هذا الباب؛ إذ إن عمر واجه هذه المشاكل المالية عند فتحه لبلاد الفرس والروم، وسن لمن بعده ما يحتذونه، وقد ورد اسمه في كتاب الخراج نحو 123 مرة.

ويظهر في الكتاب أثر النقل والعقل معا، فهو كتاب النقل عن النبي

صلى الله عليه وسلم

والصحابة والتابعين وغيرهم؛ وهو مع هذا يخالف عمر بن الخطاب فيما قدر على الأراضي، ويرد على اعتراض على ذلك فيقول: لم لم ترد الناس إلى ما كان عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) وضعه على أرضهم ونخلهم وشجرهم، وقد كانوا بذلك راضين، وله محتملين، قال أبو يوسف: إن عمر (رضى الله عنه) رأى الأرض في ذلك الوقت محتملة لما وضع عليها، ولم يقل حين وضع عليها ما وضع من الخراج إن هذا الخراج لازم لأهل الخراج، وحتم عليهم، ولا يجوز لي ول من بعدي من الخلفاء أن ينقص منه ولا يزيد فيه، بل كان فيما قال لحذيفة وعثمان حين أتياه بخبر ما كان استعملهما عليه من أرض العراق: «لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق» دليل على أنهما لو أخبراه أنها لا تطيق ذلك الذي حملته من أهلها لنقص مما كان جعله عليهم من الخراج. فلما رأينا ما كان جعله (عمر) على أرضهم من الخراج يصعب عليهم، ورأينا أخذهم بذلك داعيا إلى جلائهم عن أرضهم وتركهم لها، لم نحملهم ما لا يطيقون، ولم نأخذ من الخراج إلا بما تحتمله أرضهم».

54

ونراه يفاضل بين الأحاديث ويختار أشهرها وأعمها، فيقول: «واتبعنا الأحاديث التي جاءت عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في مساقاة خيبر لأنها أوثق عندنا وأكثر وأعم مما جاء في خلافها».

55

ويخالف أبا حنيفة في بعض أقواله، ويرجع إلى الأثر فيقول: «وسألت يا أمير المؤمنين عما يخرج من البحر من حلية وعنبر. وقد كان أبو حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله يقولان: ليس في شيء من ذلك شيء لأنه بمنزلة السمك، وأما أنا فإني أرى في ذلك الخمس، وأربعة أخماسه لمن أخرجه لأنا قد روينا فيه حديثا عن عمر (رضى الله عنه)، ووافقه عليه عبد الله بن عباس فاتبعنا الأثر ولم نر خلافه»

56

إلخ.

محمد بن الحسن الشيباني:

قال بعضهم إن أصله من قرية في ضاحية دمشق تسمى «حرستا» وقال بعضهم إن أصله من الجزيرة (شمال العراق) وإن أباه كان في جند الشام،

57

واتفقوا على أنه من الموالي ونسبته إلى شيبان بالولاء، وأنه ولد بواسط ونشأ بالكوفة، ولد سنة 132 وأخذ العلم عن أبي حنيفة، ولكن الظاهر أنه لم يصاحبه طويلا، فقد مات أبو حنيف وعمر محمد نحو ثماني عشرة سنة وتتلمذ أيضا لأبي يوسف، ورحل إلى المدينة وسمع من مالك وسمع من الأوزاعي وغيرهما، فهو كأبي يوسف تفقه بفقه أهل الرأي في الكوفة، وبفقه أهل الحديث في المدينة وغيرها، وقد جمع في دراسته أيضا - كأبي يوسف - بين دراسة أدبية من نحو ولغة وشعر، ودراسة دينية من قرآن وحديث وفقه، وقد أقام بالمدينة ثلاث سنين وبعض سنة يأخذ عن مالك وشيوخ المدينة، ومن أجل هذا كان جيد اللغة، واسع الاطلاع في نواحي التشريع المختلفة، ويظهر أنه نشأ في سعة من العيش لا كأبي يوسف، فقد روي أنه أنفق على تعلمه النحو والشعر والحديث والفقه ثلاثين ألف درهم كما روي أنه أعان الشافعي بماله، وقد كان جميل المنظر حسن الملبس، فصيح القول، جيد الفقه، قال فيه الشافعي: «كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب». وقد ولي القضاء للرشيد، ولاه قضاء الرقة، ورويت عنه أخبار تدل على أنه لم يكن يداري ويجامل كما كان أبو يوسف. روى الخطيب البغدادي أن الرشيد أقبل يوما، فقام الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، فخرج الآذن ونادى محمد بن الحسن، فجزع أصحابه له، فلما خرج سئل عما كان قال: سألني مالك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم، فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤١