تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفاد أبو يوسف فقه أبي حنيفة من وجوه: (1)

أنه تولى القضاء عهدا طويلا، وفي هذا فائدة للفقه كبيرة؛ ففي القضاء امتحان للنظريات العلمية وصهر لها في بوتقة العمل، ومواجهة لمشاكل عملية لا يدركها من اقتصر على النظر، ومقابلة الصعاب في طرق المرافعات، ممن له البينة، ومن عليه اليمين ونحو ذلك، لا يفكر فيها كثيرا من يستفتى أو يؤلف الكتب. فلهذا كان أبو يوسف منظما لمذهب أبي حنيفة ومغذيا له بالطرق العلمية، ومن أجل هذا قال الحنفية: إنه يعمل بقول أبي يوسف في باب القضاء، أضف إلى هذا أن أبا يوسف في مثل مركزه يستطيع أن يعرف شئون الدولة ومناحيها في التفكير والعمل، وما يعرض لها من مشاكل وكيفتحل ما لا يعرفه غيره، وكل هذا يكسبه نظرا جديدا ورأيا في مسائل لا يراها من يقيس أو يستحسن بين جدران أربعة أو حلقة المسجد. (2)

تولى قضاء بغداد وكان من يتولاه يكون قاضي القضاة، فله نوع إشراف على سائر القضاة، وفي هذا تمكين لمذهب أبي حنيفة ونشر له ولمبادئه. (3)

كان أبو يوسف أوسع اتصالا بالمحدثين وأكثر رواية للحديث عنهم؛ قال ابن جرير الطبري: (كان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي فقيها عالما حافظا، ذكر أنه كان يعرف بحفظ الحديث، وأنه كان يحضر المحدث فيحفظ خمسين أو ستين حديثا ثم يقوم ويمليها على الناس، وكان كثير الحديث، وكان قد جالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وكان ربما خالفه أحيانا في المسألة بعد المسألة».

51

وقد رحل إلى المدينة ولقي مالكا وناظره وأخذ عنه، ورجع عن بعض آرائه إلى قول مالك وأقوال الحجازيين؛ ومع هذا فقد رضي عنه بعض المحدثين كابن معين وابن حنبل، ولم يرض عنه أكثرهم، فلم يرو عنه شيئا أحد من أصحاب كتب الحديث الستة؛ قال ابن عبد البر: «كان ابن معين يثني عليه ويوثقه، وأما سائر الحديث فهم كأعداء لأبي حنيفة وأصحابه».

52

على كل حال سهل له اتصاله بالمحدثين سبيل تقوية مذهب أبي حنيفة بالحديث أيضا، وتطعيم المذهب ببعض آراء الحجازيين، وبمخالفة أبي حنيفة إلى ما صح عنده من حديث أحيانا. (4)

بما ألف في الفقه، فقد روى ابن النديم أنه ألف كتاب الصلاة - كتاب الزكاة - كتاب الصيام - كتاب الفرائض - كتاب البيوع - كتاب الحدود - كتاب الوكالة - كتاب الوصايا - كتاب الصيد والذبائح - كتاب الغصب والاستبراء - كتاب اختلاف الأمصار - كتاب الرد على مالك بن أنس - كتاب رسالة في الخراج إلى الرشيد - كتاب الجوامع، ألفه ليحيى بن خالد (البرمكي)، يحتوي على أربعين كتابا، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به، أمال أملاها، رواها بشر بن الوليد القاضي، يحتوي على ستة وثلاثين كتابا مما فرعه أبو يوسف.

53

والذي بقي لنا من ذلك كله كتاب الخراج، وأقوال نقلها عنه الفقهاء من بعده، وأبواب نقلها عنه الشافعي في الأم.

كتاب الخراج:

اسمه الخراج ولكنه يبحث في الواقع في أهم أبواب مالية الدولة، يقول في أوله: «إن أمير المؤمنين أيده الله تعالى سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والجوالي، وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به»، ويعني بالخراج ضريبة الأرض، فقد تركت الأرض المفتوحة على ملك أصحابها، وفرض عليهم دفع ضريبة هي الخراج، ويعني بالعشور ما يحصل من الأراضي التي أسلم أهلها كأرض المدينة واليمن، ويعني بالصدقات الزكاة المفروضة على المسلمين في مالهم، وبالجوالي الجزية على رءوس الذميين وأمثالهم؛ لذلك هو يتعرض لضرائب الأرض، وضرائب الرءوس، ويضطره ذلك إلى البحث في الأراضي الإسلامية أيها فتح عنوة وأيها فتح صلحا؛ ويتوسع في هذا الباب فيبحث في قسمة الغنائم التي يحرزها جيش المسلمين وفي الأرض الموات، وفيما يخرج من البحر، وفي شئون الري وما يعرض له، وفي معاملته أهل الذمة من حيث الضرائب، وبناء الكنائس والبيع والصلبان إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٤٠