47
وتدخل الشعراء في النزاع، روى ابن قتيبة عن شقيق البلخي أنه أطرى أبا حنيفة بمرو، فقال له علي بن إسحاق لا تطره بمرو فإنهم لا يحتملون ذلك، فقال شقيق: قد مدحه مساور الشاعر فقال:
إذا ما الناس يوما قايسونا
بآبدة من الفتيا ظريفة
أتيناهم بمقياس صحيح
تلاد من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها دعاها
وأثبتها بحبر في صحيفه
فقال له قد أجابه بعض أصحابنا:
إذا ذوي الرأي خاصم في قياس
وجاء ببدعة هنة سخفه
أتيناهم بقول الله فيها
وآثار مبرزة شريفه
فكم من فرج محصنة عفيف
أحل حرامه بأبي حنيفه
48
وفضل شاعر أهل الكوفة على أهل المدينة في الفقه فقال:
وليس يعرف هذا الدين نعلمه
إلا حنيفية كوفية الدور
لا تسألن مدينيا فتخرجه
إلا عن البم والمثناة والزير
فأجابه رجل من أهل المدينة:
لقد عجبت لغاو ساقه قدر
وكل أمر إذا ما حم مقدرو
قال المدينة أرض لا يكون بها
إلا الغناء وإلا البم والزير
لقد كذبت لعمر الله إن بها
قبر الرسول، وخير الناس مقبور
ومهما قيل فإن هذه الحركة القوية، وهذا النزاع الشديد بين أصحاب الرأي والحديث، رقى الفقه في هذا العصر رقيا عظيما، وفتق الأذهان واستخرج منها أحكاما ونظريات هي خير نتاج العصور الإسلامية. •••
لم يصل إلينا أي كتاب في الققه لأبي حنيفة، ويظهر أنه لم يؤلف في ذلك، وكل ما رواه ابن النديم عن كتبه هي كتاب الفقه الأكبر، ورسالته إلى البستي، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرد على القدرية؛
49
فيظهر أنه لم يدون في الفقه، ولكن تلاميذه كانوا يحفظون أقواله ويكتبونها عنه، فنقلوا إلينا أقواله في كل باب من أبواب الفقه.
أما كتابه في الفقه الأكبر الذي ذكره ابن النديم فمختلفون فيه؛ ذلك أنه وصل إلينا كتاب صغير في العقائد اسمه الفقه الأكبر في ورقات، روي بروايات مختلفة، وطبع في الهند مع شروحه، وبعض هذه الروايات غير صحيح؛ لأنه يحتج على الأشعرية ولهم، والأشعري كان بعد أبي حنيفة بنحو قرنين، وبعضهم يروي أن الفقه الأكبر ليس ما بين أيدينا، وإنما هو كتاب في الفقه كبير حوى نحو ستين ألف مسألة
50
والأرجح عندي أنه لم يدون في الفقه؛ لأن حركة التدوين في العصر العباسي أدركته وهو متقدم في السن، وأن الفقه الأكبر كان في العقيدة، ولا يعد هذا تدوينا لأنه رسالة كالرسائل التي يرسلها العلماء بعضهم إلى بعض، وأن الفقه الأكبر الذي بين أيدينا أساسه صحيح النسبة لأبي حنيفة وإن زيد عليه بعد، كما سنبحث ذلك عند الكلام في العقائد ومنها الإرجاء إن شاء الله.
أتى بعد أبي حنيفة تلاميذه، فجدوا في المحافظة على مذهبه بتدوينه والاستدلال له، وترتيب مسائله وتوسيعها، كما أتيح لبعضهم فرصة رياسة القضاة فقوى مذهبه وبثه وأيده، وكان من أشهر هؤلاء التلاميذ أبو يوسف ومحمد وزفر، ويطول بنا القول لو استقصينا أخبارهم وآراءهم، فنكتفي في ذلك بلمحة يسيرة.
أبو يوسف:
عربي الأصل، جده سعد بن حبتة أحد الصحابة من الأنصار، وأخذ الفقه فيمن أخذ على أبي حنيفة، وكان من أقرب تلاميذه إليه، ولد سنة 113 وتوفي سنة 182، نشأ فقيرا، وكان أبو حنيفة يمده بالمال ثم تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدي، ثم الهادي، ثم هارون الرشيد، وكان في أيام الرشيد قاضي القضاة، وكان عند الرشيد حظيا مكينا؛ وكان موقفه هذا دقيقا محرجا، فحول الخلفاء إذ ذاك قادة ورؤساء يحتاجون إلى مداراة، وهم الذين قال فيهم أبو حنيفة للمنصور: «فلك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك»، فبقاء أبي يوسف في هذا المنصب هذا العهد الطويل يدل على لباقة ومرونة فائقتين، خصوصا إذا أراد أن يجمع بين الدين والمنصب والجاه، ولعل ما يمثل أبا يوسف خير تمثيل قوله: «رءوس النعم ثلاثة: أولها نعمة الإسلام التي لا تتم النعمة إلا بها، ونعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، ونعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها». فقد أراد أن يجمع بين الإسلام والعافية والغنى، وما أدق ذلك وأشقه؛ لذلك نراه في خطبة كتاب الخراج يقف موقفا من أحسن المواقف وأشرفها، يعظ الخليفة هارون الرشيد في قوة وحزم، وبجانب ذلك تروى عنه الأخبار الكثيرة في ابتداع الحيل للخروج من المآزق يقع فيها الخلفاء والقواد، إن بولغ في بعضها فالأساس صحيح، والجمع بين ذلك كله لا يستطيعه إلا أمثال أبي يوسف إن استطاعوا.