تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

كذا، فقال أبو حنيفة: دعنا من هذا؛ وحدثه أبو إسحق الفزاري حديثا، فقال أبو حنيفة: هذا حديثا خرافة؛ وحدثه أحدهم حديث «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فقال أبو حنيفة: أرأيت إن كانا في سفينة؟ أرأيت إن كانا في سجن؟ أرأيت إن كانا في سفر؟».

وروي له أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين، فرضخ النبي

صلى الله عليه وسلم

رأسه بين حجرين، فقال أبو حنيفة: هذا هذيان. رووا هذا وأمثاله، والظاهر منها أن أبا حنيفة كان ينكر هذه الأحاديث؛ لأنها لم تصح عنده، فشنع المحدثون عليه، وقالوا: إنه ينكر قول الرسول ويقدم عليه رأيه، ويقولون: ما رأينا أجرأ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث رسول الله، وأحصوا عليه أنه أفتى بنحو مائتي مسألة خالف فيها الحديث؛ قال رسول الله: «للفرس سهمان وللرجل سهم» فقال أبو حنيفة؛ أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن؛ وقال

صلى الله عليه وسلم : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار؛ وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار إلخ. ووضح في هذا كله أن الشروط الدقيقة التي اشترطها في الأخذ بالحديث خالفت بين أنظاره وأنظارهم، وجعلت الحديث يصح عندهم ولا يصح عنده، فإذا استعمل القياس لأن الحديث لم يصح عنده اتهموه بأنه يقدم رأيه على الحديث، وقالوا: إنه استقبل الآثار واستدبرها برأيه، إلى كثير من أمثال هذا التشنيع. وما من أحد من الأئمة إلا كان له مثل هذا الموقف حين لا يصح عنده حديث صح عند غيره فلا يأخذ به، وإن كان أبو حنيفة في ذلك أكثر، للأسباب التي أبناها.

نقم عليه المحدثون والفقهاء كثرة استعماله للرأي والقياس، وشنعوا عليه بأن ذلك من قبيل اتباع الهوى. وفرق كبير بين اتباع الهوى واستعمال الرأي بعد ذلك الجهد، فاتباع الهوى الميل إلى الرأي لتحصيل مصلحة خاصة من مال أو جاه، أما الرأي بمعنى بذل الجهد ثم الوصول بعد ذلك إلى ما يعتقده الحق فليس من الهوى في شيء؛ وقد روي عن كثير من هؤلاء أقوال في تجريح أبي حنيفة، كمالك بن أنس والأوزاعي وسفيان الثوري، ومن الغريب أن ينقل إلينا عن بعضهم كسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أقوال متناقضة بعضها في مدحه والاعتراف بفقهه وفضله، وبعضها في نقده من هذه النواحي أيضا.

44

فإما أن يكون لهم رأي فيه قد عدلوا عنه إلى غيره، وإما أن تكون الأقوال في إحدى الناحيتين موضوعة مختلفة، والوقوف على أصحها عسير. ويقول ابن عبد البر: إن ممن جرح أبا حنيفة أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وعده في الضعفاء والمتروكين.

45

ولم يرو عنه ولا حديث واحد في صحيح البخاري ومسلم، ولكن روى له النسائي والترمذي، كما تعصب له آخرون من العلماء مثل شعبة بن الحجاج وابن جريج، ويحيى بن معين وغيرهم.

كذلك نقده بعضهم في مسألة الحيل التي ألممنا بها قبل، وعقد لذلك البخاري بابا في كتابه الجامع الصحيح، وعناه بقوله: «وقال بعض الناس إن أحكام الله شرعت لجلب مصالح إلينا أو دفع مضار، ومن أمحل المحال أن يشرع من الحيل ما يسقط شيئا أوجبه أو يحل شيئا حرمه إلخ».

46

وقد رأيت أن أبا حنيفة نفسه لم يتوسع في الحيل توسع من بعده، ولم يستجز إلا ضروبا محدودة منها. ونقدوه كذلك لقوله بالإرجاء، وسنعرض لذلك بعد.

نرى من كل هذا كيف كان أبو حنيفة وفقهه مبعثا لحركة فكرية عنيفة أقامها حوله رجال الحديث حينا، وأقامها من ليسوا على مذهبه في منهج التشريع، وأقامها أعداء له وخصوم، كابن أبي ليلى، وكان قاضي الكوفة للأمويين والعباسيين، وكان معاصرا لأبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يفتي أحيانا بغير رأيه، ويجهله في بعض قضاياه ويبين خطأه، فاستعدى عليه الولاة. وخير ما قيل في هذا الباب ما قاله ابن عبد البر: «إن كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرا من أخبار الآحاد العدول؛ لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذا، وكان مع ذلك أيضا يقول الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيمانا (أي لأن الإيمان اعتقاد بالقلب)، وكل من قال من أهل السنة والإيمان قول وعمل ينكرون قوله، ويبدعونه بذلك. وكان مع ذلك محسودا لفهمه وفطنته»

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٣٨