39
وقد ضرب أمثلة كثيرة لذلك.
وقد رويت عن أبي حنيفة مسائل في هذا الباب، أكثرها من باب الأيمان والطلاق، ومنها يظهر أن سكان العراق تفننوا في الأيمان والطلاق تفننا عجيبا، وكانوا يستفتون الأئمة في هذه الأيمان العجيبة التي يوقعونها، فيحلف «الأعمش» بطلاق امرأته إن أخبرته بفناء الدقيق أو كتبت به أو راسلته، أو ذكرت لأحد ليذكره له، أو أومأت في ذلك، فتسأل امرأته أبا حنيفة، فيحتال لمخرج لهذا، فيقول لها: إذا انتهى الدقيق فشدي جراب الدقيق على إزاره أو ثوبه وهو نائم، فإذا أصبح أو قام من الليل علم خلاء الجراب وفناء الدقيق.
40
ويحلف آخر ليقربن امرأته نهارا في رمضان. فيفتيه أبو حنيفة أن يسافر بها فيقربها نهارا في رمضان. ويحلف رجل وقد رأى امرأته على السلم فيقول: أنت طالق ثلاثا إن صعدت وطالق ثلاثا إن نزلت، فيفتيه أبو حنيفة أن تقف المرأة على السلم ولا تصعد ولا تنزل، ويحتال جماعة يحملون السلم بالمرأة فيضعونها على الأرض
41
ويسأله رجل فيقول: لي ولد ليس لي غيره فإن زوجته طلق، وإن سريته أعتق، وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة؟ فقال له أبو حنيفة: اشتر الجارية - التي يرضاها هو - لنفسك، ثم زوجها منه فإن طلق رجعت مملوكتك إليك وإن أعتق أعتق ما لا يملك،
42
إلى أمثال ذلك. فنرى من مجموع هذا أن الحيل التي أفتى بها أبو حنيفة ليست من نوع التحايل على إبطال الحق أو أكل الأموال بالباطل ونحو ذلك، إنما هي استخراج فقهي للخروج من مأزق، مع عدم التعدي على أحد في ماله ونفسه.
ويظهر أن هذا الباب أستغل بعد من ناحيتين: (1)
فبعد أن وقعت حوادث قليلة من هذا القبيل، توسع فيها من طريق الفرض، وسبح الخيال يستخرج فروضا عديدة، خصوصا في الأيمان والطلاق، لم تحدث ولن تحدث، ولكن الخيال يتوهمها، والفقيه الفرضي يتمرن على حلها. (2)
والأمر الثاني ما أشار إليه ابن القيم من أن المتأخرين ارتكنوا على هذه المسائل القليلة الواردة عن الأئمة وتوسعوا فيها حتى جعلوا في كل باب من أبواب الفقه، ولم يقفوا عند الحدود التي وقفت فيها الأئمة، بل جعلوا منها ما يحتال به على إضاعة الحقوق وإفساد الالتزامات. •••
مما لا شك فيه أن أبا حنيفة خرج على الناس بمذهب جديد، فيه حرية للعقل بكثرة استعمال الرأي والقياس، وبما استتبع ذلك من كثرة الفروع ورجوعها إلى أصول، وبمقدرة فائقة في الاستنباط، وبشجاعة في مواجهة المسائل حتى الفرضية منها والإفتاء فيها، وبتعرف وجوه الحيل في المسائل، في الحدود التي ذكرناها، وبتقريب الفقه إلى الأذهان، حتى قال الجاحظ: «وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن، ويجالس الفقهاء خمسين عاما، وهو لايعد فقيها ولا يجعل قاضيا، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال وبالحري ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان».
43
وطبيعي أنتحدث هذه المبادئ ثورة فكرية عنيفة، وتقسم الناس إلى قسمين: مؤيد لها وناصر، وهاج لها وقادح، وكذلك كان؛ فقد وقف العراق في أمر أبي حنيفة معسكرين يتنازعان، ووقف المؤيدون لمذهب أبي حنيفة من العراقيين أمام المدنيين كذلك يتنازعون، ويترامون بالأقوال، هؤلاء ينصرون أبا حنيفة ويبينون فضله ومزاياه، ووجوه تفضيل مذهبه على غيره، وهؤلاء يضعون من شأنه ويرون أنه خطر على الدين، وأن طريقته تخالف طريقة المتقدمين، وخلف لنا كل معسكر تراثا من آرائه وأقواله؛ وقد عقد الخطيب البغدادي فصلا طويلا نقل فيه أكثر ما قاله الفريقان، وكذلك فعل ابن عبد البر في كتابه الانتقاء.
وكان أكثر الذين عادوه من أصحاب الحديث، وطبيعي أن يكون ذلك لأن منهجه غير منهجهم، فهم يروون الحديث ويكتفون في تصحيحه بأن الراوي غير مجرح، وهو يشتدد في روايته على النحو الذي ذكرناه، فإذا رد آثارا ولم يعمل بها هاجوا عليه وقدحوا فيه. وكذلك عاداه الفقهاء من مدرسة الحديث؛ لأنه كان يستعمل القياس مع وجود الحديث في نظرهم، مع أن الحديث لم يصح عنده فتركه إلى القياس، فإذا رد الحديث ونطق بما يفيد أنه لم يثبت عنده شنعوا عليه بأنه أكذب الحديث؛ فقد سأله رجل عن شيء، فأجاب فيه، فقال له الرجل: إنه يروي فيه عن النبي