وجاءه جماعة من أهل المدينة ليناظروه في القراءة خلف الإمام (وأبو حنيفة يقول بعدم القراءة)، فقال لهم لا يمكنني مناظرة الجميع، فولوا الكلام أعلمكم، فأشاروا إلى واحد، فقال: هذا أعلمكم؟ والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم، قال: والحجة عليه كالحجة عليكم؟ قالوا: نعم، قال: إن ناظرته لزمتكم الحجة؛ لأنكم اخترتموه فجعلتم كلامه كلامكم، وكذا نحن اخترنا الإمام فقراءته قراءتنا.
ومثل هذه مئات من المسائل استعمل فيها الرأي أو القياس أو الاستحسان، ذكرت في كتب الفقه وكتب المناقب، يطول بنا القول لو أكثرنا منها، حتى ذكروا أنه كان مولعا بالقياس أيضا في حياته العادية، فقد رووا أنه أمر حجامه أن يلقط الشعر الأبيض من رأسه أو لحيته، قال: إن لقطتها كثرت، قال: إذن القط السود حتى تكثر. وتنادروا عليه في استعمال القياس بأنه كان في مبدأ أمره يشتغل بالنحو، ويريد أن يجري القياس فيه، فجمع كلبا على كلوب قياسا على قلب وقلوب.
33
وروى الجاحظ عن حماد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهلية معه محجن يتناول به متاع الحاج سرقة، فإذا قيل له سرقت، قال لم أسرق إنما سرق محجني، فقال حماد لو كان هذا اليوم حيا لكان من أصحاب أبي حنيفة.
34
وعلى الجملة فقد مهر في القياس، وطبقه تطبيقا واسعا أثر في الفقه أثرا كبيرا من كثرة الفروع وتحديد وجوه المشابهات، وتسليح المجتهد سلاحا قويا في الإفتاء. وقد لا تدرك كبير فرق فيما لدينا من كتب الفقه في المذاهب المختلفة، كمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، ومن أجل هذا قال بعض المستشرقين إن الفروق بين المذاهب قليلة؛ ولكن في رأيي أن هذه القلة إنما كانت في كتب تلاميذ الأئمة؛ لأن تلاميذ أبي حنيفة أخذوا ما احتاجوا إليه من الحديث، وتلاميذ مالك توسعوا في اقتباس ما هم في حاجة إليه من القياس فتقاربت المذاهب، أما في عصر أبي حنيفة ومالك نفسيهما فالفرق كان كبيرا.
كذلك عرف أبو حنيفة بالمهارة في فقه الحديث، أعني أنه كان يسمع الحديث ويصح عنده، فيستطيع أن يفرغ منه الفروع ويستخرج منه الأحكام الفقهية في مهارة. سأله الأعمش (وهو من كبار المحدثين) عن مسائل فأفتاه، فقال له الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: أنت حدثتني عن إبراهيم بكذا، وحدثتني عن الشعبي بكذا، فقال الأعمش: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.
35
ومن أجل هذا فرقوا بين المحدث والفقيه، فقد يكون الرجل محدثا لا فقهيا وقد يكون قليل الحديث وهو فقيه. •••
ومن الأمور الظاهرة في فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية، وقد أصبحت فيما بعد بابا واسعا من أبواب الفقه في مذهب أبي حنيفة وغيره في المذاهب، وإن كانت في مذهب الحنفية أظهر، وألفت فيها الكتب الخاصة، حتى لقد وضعت فيما بعد حيل للهروب من كل الالتزام، فحيل لإسقاط الشفعة، وحيل لتخصيص بعض الورثة بالوصية، وحيل في إسقاط حد السرقة وهكذا،
36
وقد خصص ابن القيم جزءا كبيرا من كتابه إعلام الموقعين في الكلام في الحيل، وفي قيمتها والتشنيع على من توسع فيها.
37
وقد قال إن تجويز الحيل يضر بالشرائع؛ لأن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيله، وقال: «إن المتأخرين أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة وهم مخطئون في نسبتها إليهم.. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام، علم أنه لم يكن معروفا بفعل الحيل ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تلقوها عن المشرقيين وأدخلوها في مذهبه».
38
وقد أطال في أقسام الحيل وما يجوز منها وما لا يجوز، فما كان من الحيل لأخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم، وإبطال حقوقهم، وإفساد ذات بينهم، فهي محرمة ... ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام ... وهناك حيل للتوصل إلى الحق أو لدفع الظلم بطريق مباحة، وهذا جائز إلى آخر ما قال