28
وروي عن أبي يوسف أنه قال: «كان أبا حنيفة لا يرى أن يروي من الحديث إلا ما حفظه عن الذي سمعه منه»
29
وقال: «ردي على كل رجل يحدث عن النبي
صلى الله عليه وسلم
بخلاف القرآن ليس ردا على النبي
صلى الله عليه وسلم
ولا تكذيبا له ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل، والتهمة دخلت عليه ليس على نبي الله، وكل شيء تكلم به النبي
صلى الله عليه وسلم
فعلى الرأس والعين قد آمنا به، وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أيضا أنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم يبتدع، ولم يتقول غير ما قال الله، ولا كان المتكلفين».
30
وعلى الجملة فقد كان يشدد في الأخذ بالحديث، وهذا - من غير شك - يضطره إلى التوسع في القياس والاستحسان فما لم يكن فيه أثر كتاب ولا أثر صحيح، فليس فيه أمام المجتهد إلا القياس والاستحسان.
كذلك كان من مبدئه إعمال عقله فيما إذا روي في المسألة 319 قولان أو أكثر للصحابة فيختار منها أعدلها أو أقربها إلى الأصول العامة، وعدم الاعتداد بأقوال التابعين إلا أن يوافق اجتهاده، فقد روي عنه أنه قال: «إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
والآثار الصحاح عن التي فشت في أيدي الثقات ، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين، وسعيد بن المسيب؛ فلي أن أجتهد كما اجتهدوا»،
31
وهذا المنهج يسلم إلى عدم التزام العمل بالمأثور عن التابعين، ثم يسلم بعد إلى القياس والاستحسان.
فهذا التشدد في قبول الحديث، وهذه الحرية في وزن أقوال الصحابة والتابعين مضافا إليهما ما ذكرنا قبل من أسباب، جعلت القياس أساسا كبيرا من أسس التشريع في فقه أبي حنيفة.
وفي الواقع كان أبو حنيفة قياسا، سلك في القياس مسلكا فاق فيه كل من سبقه، وأعانه على ذلك ملكاته الخلقية، فكان دقيق النظر، سريع الخاطر في إدراك ما بين الأشياء من فروق وموافقات، قوي الحجة حتى كان - كما قالوا - لو أراد أن يقيم الحجة على أن هذه السارية ذهب لفعل. وزاده ظهورا في ذلك أنه لم يكن يتحرج من الفتيا تحرج أهل الحديث، فليس يهمه أوقع الأمر أم لم يقع، وكان حقيقيا أم فرضيا، بل يقول كما قال لقتادة: «إن العلماء يستعدون للبلاء ويتحرزون من قبل نزوله»؛ وذكر عنده مرة قول من قال: لا أدري نصف العلم، قال أبو حنيفة: فليقل «لا أدري» مرتين ليستكمل العلم؛ ولذلك كان كثيرا ما سئل وكثيرا ما أجاب، حتى روي أنه قال ستين ألف مسألة، وقال بعضهم ثلاثة وثمانين ألفا، ثمانية وثلاثين ألفا في العبادات، وخمسة وأربعين ألفا في المعاملات؛
32
ومهما كان العدد مبالغا فيه فإنه يدلنا على كثرة ما سئل وما أجاب، وما فرع وما علم، وهذا لا يتأتى مع الصحة والضبط ودقة النظر إلا من عقل قانوني كبير مرن، حتى كأن أصول الفقه الأربعة هي قواعد الحساب الأربع، تعرض فيها المسائل فيطبقها على هذه القواعد، ويحلها في سهولة على مقتضاها، ثم هو يجادل ويعارض فيما يفتي فيقيم الحجج القوية على ما رأى وما أفتى، وقد حكي عنه من هذا الشيء الكثير في كتب المناقب إن بولغ في بعضه فالأصل صحيح.
وقد نازله فقهاء عصره ونازلهم فانتصف منهم في الأغلب، ونسوق لك أمثلة قليلة مما روي، سئل عن رجلين اشتركا في ثلاثة دراهم دفع أحدهم درهمين والآخر واحدا واختلطت الدراهم، ثم ضاع درهمان من الثلاثة، فقال أبو حنيفة: الدرهم الباقي بينهما أثلاثا، ثلث لذي الدرهم، والثلثان لذي الدرهمين؛ و سئل فيهما ابن شبرمة فقال: إن الدرهم الباقي بينهما أنصافا، لكل نصف. حجة ابن شبرمة أن درهما من الدرهمين الضائعين هو من مال دافع الدرهمين بيقين، والدرهم الثاني من الدرهمين الضائعين هو من مال دافع الدرهمين بيقين، والدرهم الثاني من الدرهمين الضائعين مشكوك فيه فيكون منهما، فيكون الدرهم الثاني مناصفة؛ وحجة أبي حنيفة أن الدراهم الثلاثة لما خلطت أصبح كل درهم مشتركا، لصاحب الدرهم ثلثه، ولصاحب الدرهمين ثلثاه، فأي درهم ذهب فهذا حكمه، والدرهم الباقي هذا حكمه أيضا، ثلثه لذي الدرهم وثلثاه لذي الدرهمين. وفي هذا مثل من أمثلة الرأي الذي كان يستعمل؛ وسئل: ما قولك في الشرب في قدح أو كأس في بعض جوانبها فضة؟ فقال: لا بأس به، فقيل له أليس قد ورد النهي عن الشرب في إناء الفضة والذهب؟ فقال أبو حنيفة: ما تقول في رجل مر على نهر، وقد أصابه عطش، وليس معه إناء فاغترف الماء من النهر فشربه بكفه وفي أصبعه خاتم؟ فقال مناظره: لا بأس بذلك، قال أبو حنيفة: فهذا كذلك.