تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

كما روي أن المنصور كتب كتابين للأعمش وأبي حنيفة على لسان إبراهيم بن عبد الله ابن حسن، وبعث بهما مع من يثق به، فقرأ الكتاب الأعمش وأطعمه الشاة، وأما أبو حنيفة فقبل الكتاب وأجاب عنه فلم يزل في نفس أبي جعفر منه شيء حتى فعل به ما فعل.

23

فالغالب أن أبا حنيفة كان أميل - في الفتنة التي قامت بين العلويين والعباسيين - إلى محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وكان يرى أن محمدا أحق بالخلافة، وكان ناقما على العباسيين سطوتهم وشدتهم، وكثير من العلماء في هذا العصر كانوا على هذا الرأي، وكان امتحان العباسيين لهم ولميولهم مظهره عرض الوظائف عليهم، والاستدلال بإبائهم أو قبولهم على ميولهم، كما لا ننكر أنه كانت هناك نزعة عند بعض العلماء ترى أن في تولي الوظائف السلطانية تعريض الدين للخطر، حتى أن كثيرا من المحدثين لا يروون حديث من تقرب إلي السلطان وأن كثيرا عابوا أبو يوسف من أجل توليه القضاء؛ والحكايات من هذا القبيل كثيرة، قال محمد بن جرير الطبري: «إنه قد تحامى حديث أبي يوسف قوم من أهل الحديث، من أجل غلبة الرأي عليه وتفريعه الفروع والأحكام، مع صحبة السلطان وتقلده القضاء».

24

ولعل السببين معا كانا هما الباعثين لأبي حنيفة على امتناعه من تولي القضاء في العهد الأموي، وهو يرى الدولة قاسية شديدة مضطربة وقومه الفرس يخرجون عليها ويبثون الدعوة ضدها، وفي الدولة العباسية ظلم وعسف واغتصاب الخلافة من العلويين، هذا إلى ما في القضاء من تعرض لغضب السلطان إن أرضى الله، وغضب الله إن أرضى السلطان؛ وفي بعض الروايات أنه قال للمنصور: «لو هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن ألي الحكم لاخترت أن أغرق

فلك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك ، فلا أصلح لذلك».

25

وقد روى بعضهم أن أبا حنيفة تولى للمنصور عد اللبن في بناء بغداد، ويقول الخطيب إن العامة هي التي تدعي ذلك.

منحاه في الاجتهاد:

مسلك أبي حنيفة في القرآن الكريم مسلك كل الأئمة، إن اختلفوا في شيء فيه فاختلاف في فهم مدلوله وإشارته وطرق الاستنباط منه. أما في الحديث فكان له مسلك خاص، وهو التشدد في قبول الحديث، والتحري عنه وعن رجاله حتى يصح، وكان لا يقبل الخبر عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلا إذا رواه جماعة في جماعة، أو كما يعبرون هم إذا كان خبر عامة عن عامة، أو كان خبرا اتفق فقهاء الأمصار على العمل به، أو روى واحد من الصحابة الحديث عن رسول الله في جمع منهم، فلم يخالفه أحد؛ لأن هذا يدل على إقرارهم له، ولو كانوا يخالفونه لردوا عليه، فكان هذا بمثابة الحديث يرويه جماعة؛ قال أبو يوسف: فعليك من الحديث بما تعرف العامة،

26

وإياك والشاذ منه؛ فإنه حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

دعا اليهود فحدثوه حتى كذبوا علي عيسى (عليه السلام)، فصعد النبى

صلى الله عليه وسلم

المنبر فخطب الناس فقال: إن الحديث سيفشو علي فما آتاكم عني يوافق القرآن فهو مني، وما آتاكم عني يخالف القرآن فليس مني.. وكان عمر فيما بلغنا لا يقبل الحديث عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلا بشاهدين، وكان علي بن أبي طالب لا يقبل الحديث عن رسول الله، والرواية تزداد كثرة، ويخرج منها ما لا يعرف ولا يعرفه أهل الفقه، ولا يوافق الكتاب ولا السنة، فإياك وشاذ الحديث، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث وما يعرفه الفقهاء، فقس الأشياء على ذلك، فما خالف القرآن فليس عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وإن جاءت به الرواية.. فاجعل القرآن والسنة المعروفة لك إماما وقائدا، واتبع ذلك وقس عليه ما يرد عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة».

27

فأبو يوسف رسم في هذا القول الخطة التي كان يسير عليها هو وشيخه أبو حنيفة نحو الحديث، وخلاصتها تضييق دائرة ما يعمل به من الحديث والاقتصار منه على المعروف المشهور الذي عرفه عامة الفقهاء، وعدم الأخذ بالأحاديث التي لم تستوف هذه الشروط. روي عن يحيى بن نصر أنه قال: «سمعت أبا حنيفة يقول: عندي صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي ينتفع به».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٣٤