تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قال لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: بم تقضي؟ قال: بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بما في سنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال اجتهد رأيي - فلعل هؤلاء اليمنيين كانوا متأثرين بمبدأ معاذ وتعاليمه وفقهه - وبالفعل نجد بعض أعلام هذه المدرسة كالأسود بن يزيد النخعي من تلاميذ معاذ بن جبل. •••

أخذ أبو حنيفة الفقه عن كثير: فسمع من عطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة، ونافع مولى ابن عمر، ولكن أستاذه الذي أخذه عنه أكثر علمه حماد بن أبي سليمان الأشعري، وقد كان حماد واسع العلم فقيها، قال فيه النسائي: إنه «ثقة مرجئ»، وكان غنيا سمحا كريما، مات سنة 120؛ كانت له حلقة كبيرة في مسجد الكوفة ، يجلس إليه فيها المتعلمون يعلمهم ويسألونه، ويأتي إليه أصحاب الحاجات في المسائل التي تعرض لهم فيستفتونه، وقد لزمه أبو حنيفة نحو ثمانية عشر عاما لما رأى من علمه، فقد كان يقول: «حماد أعلم من رأيت»، جالسه أولا نحو عشر سنوات ثم حدثته نفسه أن يستقل ويكون لنفسه حلقة خاصة، ثم خجل من شيخه، وأتيحت له فرصة ذهاب حماد إلى البصرة، فجلس مكانه يعلم ويفتي، وعرضت عليه نحو ستين مسالة جديدة لم يسمع فيها رأي شيخه، فلما عاد سأله فيها فأقره على أربعين منها، وخالفه في عشرين، فلزمه حتى مات.

20

وإذ قد علمنا أن حمادا مات سنة 120 فيكون أبو حنيفة قد لازمه إلى أن بلغ سنه نحو الأربعين، وقد كان يجادل شيخه ويناقشه ويلازمه، حتى روي عنه أنه قال: «لزمت حمادا لزوما ما أعلم أحدا لزم أحدا مثل ما لزمته، وكنت أكثر السؤال فربما تبرم مني ويقول: يا أبا حنيفة قد انتفخ جنبي وضاق صدري»؛ وحتى روي أنه قال له يوما: «أنزفتني»، أي أخذت كل ما عندي، وهي عبارة قيلت قبل من سعيد بن المسيب لقتادة. ولما مات حماد نظر أصحابه في من يجلس مجلسه، ويترأس حلقته، فاختاروا ابنه إسماعيل بن حماد، ولكنه كان أميل إلى الأدب من شعر ومعرفة بأيام العرب، فتنحى عن الحلقة فترأسها موسى بن أبي كثير، ولم يكن بارعا في الفقه ولكنه لقي المشايخ الكبار وجالسهم، ثم خرج حاجا فجلس مكانه أبو حنيفة وملأ مكان حماد، واستمر في هذه الحلقة يعلم الناس ويفتي نحو ثلاثين سنة إلى أن مات سنة 150.

كل الأخبار تدل على أنه كان في سعة من العيش، ولعل ذلك كان من تجارته، فقد علمنا أنه كان بزازا، وله دكان في دار عمرو بن حريث، وكان طويلا تعلوه سمرة، لباسا، حسن الهيئة، كثير التعطر؛ يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه».

21

وقد روي أنه أريد على القضاء مرتين فامتنع، إحداهما في العهد الأموي، أراده ابن هبيرة - عامل مروان بن محمد آخر بني آمية على العراق - فأبى، فضربه بالسوط، وفي رواية أنه أراده ليكون على بيت المال فأبى فضربه؛ والأخرى في العهد العباسي: أشخصه أبو جعفر من الكوفة على بغداد، ثم أراده على القضاء فأبى حبسه فمات في الحبس، والروايات في هذه الحادثة مختلفة، فبعضهم يرويها على هذا الوجه، وآخرون يروون أن المنصور هدده بالضرب فقبل القضاء على كره، ثم مات بعد أيام، وغيرهم يروون أن المنصور هدده بالضرب فقبل القضاء على كره، ثم مات بعد أيام، وغيرهم يروي أن المنصور إنما استقدمه من الكوفة لأنه اتهم بالتشيع لإبراهيم العلوي، فعاش خمسة عشر يوما ثم سمه فمات. فالروايات مجمعة على استدعاء المنصور له، ومجمعة على أنه مات بعد استدعائه بقليل، وأنه مات في بغداد وقبره إلى الآن في بغداد شاهد على ذلك. ونحن نستبعد سم المنصور له؛ فقد كان للمنصور من القوة إذ ذاك ما يخول له القتل علنا إن شاء، وقد سبق أن قتل أبا مسلم الخرساني، وهو ما هو في قوته وتعلق الجند به، كما قتل غير أبي مسلم من ذوي الوجاهة والعزة، ونرجح الرواية الأولى من إرادته على القضاء وامتناعه وسجنه وتعذيبه؛ ويظهر أن هذا التعذيب والسجن ليس عقوبة على إبائه القضاء؛ لأن أمام المنصور كثير من العلماء يرغبون في هذا المنصب، وقد أراد الليث بن سعد على القضاء فأبى فتركه من غير أن يعذبه كما مر، ولكنه استدل من إباء أبي حنيفة على صحة ماأتهم به من التشيع وعدم رضائه عن دولتهم؛ وقد روي عن أبي حنيفة أشياء من ذلك، فقد روى زفر بن الهذيل أن أبا حنيفة كان يجهر بالكلام (يعني ضد المنصور) أيام إبراهيم (يعني أخا النفس الزكية، وكان قد خرج على المنصور) جهارا شديدا، فقلت له: والله ما أنت بمنته حتى توضع الحبال في أعناقنا.

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٣٣