17
ويروى عنه أنه قال: «كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام فمضى دهر فيه أتردد وبه أخاصم، وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرها بالبصرة، فدخلت البصرة نيفا وعشرين مرة، منها ما أقيم سنة وأقل وأكثر، وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الأباضية والصفرية وغيرهم ... وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، ثم علمت أنه لو كان فيه خير لتعاطاه السلف الصالح، فهجرته».
18
وعلم الكلام قد طعم بالفلسفة قبل أي علم آخر، وتأثر بها كما تأثر بآراء الأديان الأخرى للاحتكاك بها في المناظرة والدعوة إلى الدين - وقد أبنا ذلك قبل - فكان عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهما في البصرة يدعون إلى الإسلام، ويردون طعن الطاعنين، ويبحثون في صفات الله، وفي العاصي: أكافر أم مؤمن؟ إلخ؛ ويطلعون على أقوال أهل الديانات ويفندونها بمثل حججهم الفلسفية. فالظاهر أن أبا حنيفة بدراسته لبرنامج الكلام، وبلوغه فيه مبلغا يشار إليه بالأصابع، أكسبه قوة في المناظرة، وقدرة في المنطق، ومرانا على الأسلوب العقلي في التفكير غير أسلوب المحدثين، فإن كان المحدثون يكتفون في الحديث ببحث الرواة، فالمتكلمون يتجاوزون ذلك أيضا إلى النقد الخارجي، وهو موافقة الحديث لمبادئ الإسلام العامة وأصوله، ونحو ذلك كما رأيت. وقد عرف عن المعتزلة رؤساء المتكلمين نقد بعض الصحابة في جرأة لم يقدم عليها غيرهم، ونقد بعض ما روي من الحديث في صراحة، ونجد لذلك كله أثرا في أبي حنيفة كما سيأتي.
كذلك كان أبو حنيفة بجانب حياته العلمية يحترف التجارة، فكان خزازا يبيع الخز ويجلس في السوق، ويسمونه النعمان بن ثابت الخزاز؛ قال الأعمش وقد سئل عن مسالة: «إنما يحسن الجواب في هذا ومثله النعمان بن ثابت الخزاز، أراه بورك له في علمه»؛
19
وقد أكسبه هذا أيضا فائدة كبرى؛ إذ جعله يتصل بالحياة المالية العلمية، فيعرف حقيقة ما يجري في الأسواق، ومعاملات الناس في البيع والشراء، والنقود، والصرف، والسلم والدين وما إلى ذلك، فإذا تكلم تكلم عن علم وخبرة، ونظر وممارسة ومران.
درس أبو حنيفة الفقه في مدرسة الكوفة، وكانت مدرسة لها رجالها، ولها طابعها الخاص؛ ولتصوير أشهر رجالها نضع هذا الجدول البسيط:
هؤلاء أشهر رجال مدرسة العراق، وكان لكل منهم يد في تلوينها وتشكيلها: فابن مسعود فقيه جليل يتأثر عمر بن الخطاب في دقة نظره وحريته، وعلي بن أبي طالب خلف مجموعة من القضايا والفتاوى لأهل العراق حفظت عنه وعدت دستورا، وعلقمة كان خير تلاميذ ابن مسعود وحامل علمه وفقهه، ومسروق خلف لأهل العراق فتاوى كثيرة كان يستفتى فيها، وشريح مارس القضاء نحو ستين سنة في العصر الأموي، فلابس الحياة العملية، وقد دعم مذهب الرأي بدعائم قوية وكان له أكبر الأثر في تلوينه وتميزه، والشعبي - على العكس من ذلك - كان يغذي العراقيين بالحديث والآثار، فكأنه هو شريح تعاونا على تدعيم المذهب بعنصريه، كان الشعبي ينقبض للفتوى ويتهيبها شأن صاحب الآثار، وكان النخعي يتهلل لها وينبسط شأن صاحب الرأي، وكان ذلك على خلاف حياتهما العلمية؛ فقد كان الشعبي ظريفا مبتسطا فكها، فإذا جاءت الفتوى انقبض، وكان النخعي منقبضا جادا، فإذا جاء الرأي انشرح، ثم جاء حماد بن أبي سليمان فجمع ذلك كله في صدره وأسلمه لأبي حنيفة فصاغه مذهبا، ولعلك لاحظت معي كثرة النخعيين في هذه المدرسة، فعلقمة نخعي، والأسود نخعي، وإبراهيم نخعي، ثم مسروق بن الأجدع همداني، ثم عامر الشعبي نسبة إلى شعب وهو بطن من همدان، والنخع وهمدان قبيلتان يمنيتان، وشريح كندي، وكندة من اليمن، وحماد بن أبي سليمان أشعري بالولاء، وأشعر قبيلة من اليمن. ونحن نعلم أن معاذ بن جبل أرسله النبي
صلى الله عليه وسلم
قاضيا على الجند باليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن؛ كان معاذ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، وهو صاحب الحديث المشهور الذي هو دعامة أهل الرأي، وهو أن رسول الله