تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وكان ثابت مملوكا لرجل من ربيعة من بني تيم الله بن ثعلبة من فخذ يقال لهم بنو قفل، فكان أبو حنيفة مولى لبني تيم الله

16

فلذلك يقال أبو حنيفة التيمي - يعنون أنه تيمي بالولاء - وقد شعر بعض الحنفية بغضاضة هذا الولاء، فرووا أنه من أحرار فارس ولم يجر عليه رق قط؛ ما دروا أن أمر العلم والدين بعيد عن الاعتزاز بالنسب والمعرة بالولاء وما إليه، وأن العلم لا يقوم أحدا بقبيلته ولا ماله ولا جاهه، إنما يقومه بقيمته الذاتية ومزاياه العقلية، وقبل أبي حنيفة كان كثير من سادة الفقهاء من الموالي كنافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح فقيه مكة، وطاوس بن كيسان فقيه اليمن، والحسن البصري، وابن سيرين فقيهي العراق وغيرهم. كما أن العصبية المذهبية حملت بعض الأتباع لكل مذهب أن يضعوا الأخبار لإعلاء شأن إمامهم، ومن هذا الباب ما رووا من الأحاديث بتبشير النبي

صلى الله عليه وسلم

لكل إمام ، من مثل ما روي أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال في أهل العراق: «إن الله وضع خزائن علمه فيهم»، ومثل: «يكون في أمتي رجل يقال له النعمان بن ثابت، ويكنى بأبي حنيفة يحيي الله على يديه سنتي في الإسلام» إلخ، حتى لقد زعموا أن أبا حنيفة بشرت به التوراة، وكذلك فعل بعض الشافعية في الشافعي، والمالكية في مالك؛ وما كان أغناهم عن ذلك؛ ومن أجل هذا صعب على الباحث معرفة التاريخ الصحيح لكل إمام، فقد كان كلما أتى جيل تزيد في فضائل إمامه، كأن الفضل لا يقوم إلا بالمبالغة فيه، ولذلك نرى أن ترجمة الأئمة كلما قاربت عصرهم، كانت أقرب إلى الصدق وأبعد عن الغلو.

أغلب المؤرخين على أن أبا حنيفة ولد بالكوفة سنة 80ه ومات ببغداد سنة 150ه، فيكون قد عاش نحو سبعين سنة، منها نحو 52 سنة في العصر الأموي ونحو 18 في العصر العباسي؛ إذن فقد ولد في عهد عبد الملك بن مروان، ولما مات عبد الملك كان أبو حنيفة في السادسة من عمره، ونشأ في ولاية الحجاج على العراق، فقد مات الحجاج وعمر أبي حنيفة خمسة عشر عاما، فرأى قسوة الحجاج ومعاملته للثائرين، وحروبه وسطوته وسلطانه في العراق، وكان شابا أيام عمر بن عبد العزيز، سمع بعدله وشاهد آثاره، ورأى تدهور الأمويين، وشاهد بدء الدعوة العباسية، وسايرها حتى تمت للعباسيين، والعراق وما إليه كان مهدا لهذه الدعوة، وكان مساهما في حرب الأمويين؛ وشاهد بعد الحجاج يزيد بن المهلب أميرا على العراق يحكم الناس حكما عربيا عصبيا، كما شاهد إمارة خالد بن عبد الله القسري، ونصر بن سيار، وما كان فيهما من فتن، ورأى انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين على يد قومه من الفرس، ورأى خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على المنصور، وقالوا إنه عطف على محمد، وكان ميله معه، وأخيرا رأى استقرار الأمر في يد العباسيين، وبناء المنصور لبغداد، وتحول أبهة الدنيا وحضارتها وجمالها إليها؛ ثم مات في خلافة المنصور. كل هذه الأحداث مرت على أبي حنيفة وأعمل فيها فكره، وأثرت في نفسه آثارها المختلفة، وساهم في بعضها، وكان خريجها الناشئ في أحضانها، والمتكون من ذراتها، والناضج على نيرانها.

نشأ أبو حنيفة في الكوفة، وكان في زمانه بعض الصحابة وكبار التابعين، نعلم كثيرا عن نشأته الأولى وكيفية تعلمه، وقد رووا أنه في السادسة عشرة من عمره حج مع أبيه، وشهد عبد الله بن الحارث أحد الصحابة يحدث بما سمع عن رسول الله، وقد اجتمع عليه الناس في المسجد الحرام، فسمع أبو حنيفة منه حديثا، كما رووا أنه سمع أنس بن مالك وأربعة غيرهما من الصحابة، وبعض العلماء يشك في ذلك. ثم رأيناه بعد نشأته الأولى في التعلم يجلس في حلقة المتكلمين بمسجد الكوفة، وكانت لهم حلقة بل حلقات - بجانب حلقات الفقه وحلقات الشعر وحلقات النحو - يتكلمون فيها في القضاء والقدر، والكفر والإيمان، ويستعرضون أعمال الصحابة في الحروب وغيرها، إلى غير ذلك من مسائل علم الكلام، فلما بلغ في ذلك مبلغا كبيرا تحول إلى الفقه؛ روى زفر بن الهذيل قال: «سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يوما فقالت: رجل له امرأة يريد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فأمرتها أن تسال حمادا ثم ترجع فتخبرني ... فرجعت فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد».

ضحى الإسلام · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٢٣١